الهجرة قدر الكوردي

الهجرة قدر الكوردي

عبدالحميد جمو

النزوح أو إن صح التعبير: التهجير معاناة تلاحق الكوردي أو تخلق معه، وتظل ترافقه طيلة حياته، كأنها قدر كتب على جبينه يبقيه اسيراً مسيراً.
النزوح لغةً: هو الانتقال من مكان إلى آخر، بحثاً عن الاستقرار والأمان أو تحسين الوضع الاقتصادي. إلا إنّ هذا المصطلح تغير معناه مع ترسيم الحدود الإدارية للدول، فصار ت كل هجرة داخلية تسمى نزوحاً، وهنا قد يختار المرء أن ينزح لأسبابه الخاصة، وقد يُفرض الأمر عليه، أما الهجرة فتعني في المصطلح السياسي انتقال مواطني دولة إلى دولة أخرى بقصد الاستقرار السياسي، أو تحسين الوضع الاقتصادي، أو هرباً من أتون الحروب بحثا عن الأمان والسلام.
في الحالة الكوردية يتغير التعريف ويصبح كل ممنوع مباح، فهو المتمسك بتاريخه والراضي بعيشته المتجذر في أرضه، إلا إنه معرض لتطهير عرقي وتغيير ديموغرافي، فتصبح الهجرة القسرية مفروضة عليه عنوة. فإما أن يستسلم وينسلخ عن جلده وجلدته، أو أن يعتقل ويسجن أو أن يهدر دمه ويقتل، فيختار الهجرة مرغما وينزح عن موطنه، أو يهجره والغصة تعصر فؤاده، حاملاً معه بقايا شتاته وذكرياته في رحلة ألم يركب فيها عباب المجهول، ويصارع الأهوال، لكنه يظل مفعما بالأمل لتحقيق ذاته التي سلبت، ومنذ الوهلة الأولى لغربته يراوده حلم العودة إلى مسقط رأسه.
حقيقة مع الخطوة الأولى لهجرته تلازمه المعاناة، ففي طريق رحلته إلى أمله المنشود، يصادفه الكثير من المصاعب، فيتعرض للسلب والنهب والأذى الجسدي أو يتوه في الأدغال الموحشة أو يقع فريسة لتجار الأعضاء البشرية، أو يبتلعه البحر وغير ذلك الكثير، فبعضهم يكمل رحلته للسماء والبعض الآخر نحو خارج حدود الوطن، ولا تنتهي معاناته بعد وصوله، بل تبدأ رحلة جديدة مع الألم، في خيام البؤس والمعسكرات (الكامبات ) التي تكون أشبه بالمعتقل يقبع ضمن أسوارها خارج حدود المدن مفتقرا لأبسط المواد الضرورية، من غذاء وملبس، ودواء ومنظفات، ويكابر على جرحه ويتحمل ويتأقلم مع الوضع الجديد، يثبت بإرادته أنه قابل للتفاعل مع المجتمع وأنه مسالم يطالب بحقه الطبيعي في الحياة الكريمة ويتطلع لأن يحيا بأمان، فيغير نظرة العالم إليه، ويخدم البلد المضيف كأنه بلده ويلتزم بقوانينه، ويحترم خصوصيته، لكنه يدرك ان الغريب يظل غريبا مهما طال به الأمد، فلن تتغير نظرة تلك المجتمعات إليه.
ويبقى هو أيضا، ذاك الكوردي المتطلع إلى استقلاليته وحريته، ويتحين الفرصة للعودة إلى موطنه.
الغريب في الأمر أن النزوح والهجرة يلازمان المجتمعات كافة وخصوصا الشرق أوسطية منها، ومع ذلك لم يستطع القانون الدولي الإنساني ولا المنظمات الحقوقية ولا منظمات المجتمع المدني المعنية بهذا الشأن إيجاد حلول ناجعة لإنهاء هذه المأساة بل تقف عاجزة أمامه، رغم أنها ترى وتراقب الوضع عن كثب وتمتلك التقارير الكافية التي تدين الحكومات التي ترتكب هذه التجاوزات وتمارس الاضطهاد بحق شعوبها، والمحيّر أن المجتمع الدولي المتمدن الذي يدين ويستنكر هذه الافعال ويعتبر التهجير جريمة ضد الإنسانية لا يحرك ساكنا بينما الحكومات الاستبدادية تمعن في فواحشها متجاهلة القيم والأعراف ضاربة القوانين الدولية وميثاق الأمم عرض الحائط، ولا يطالها الجزاء.
نذكر هنا بعض النصوص من القانون الدولي التي تجرم التهجير:
1 - ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 واتفاقيات جنيف عام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 والكثير من المواثيق والمؤتمرات الدولية التي تضمنت نصوصا قانونية جرمت التهجير واعتبر ذلك عهدا عالميا وتضمنت أكثر التشريعات التي تجرم التهجير القسري سواء بشكل مباشر او غير مباشر بوصفها جريمة تمس حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
2- الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 والتي اعتبرت التهجير القسري او الابعاد أو النقل القسري جريمة تنتهك الحقوق الانسانية للفرد.
3- المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (ان جريمة التهجير القسري للسكان تعتبر من الجرائم الدولية التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية.
4- القانون الدولي الانساني (نص المادة 53 بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ونص المادة 55 لاتفاقية لاهاي عام 1907) التي تحظر الاستيلاء او الاعتداء على ممتلكات الناس لإجبارهم على الرحيل) يجرم القانون الدولي الانساني هذه الأفعال لما فيها من تعدي ومساس بحقوق السكان المدنيين.
رغم كل القوانين تستمر الحكومات بتعسفها وتبقى الشعوب مضطهدة، تأمل من الانسانية بضميرها الغائب إنصافها.