أحزاب وقضية

أحزاب وقضية

صالح محمود

الأحزاب الكردية في سوريا متعددة وكثيرة، وقد لا يرتقي أداؤها إلى المستوى المطلوب، لكنها مع ذلك يجب أن تكون موجودة وحاضرة، إذ لا بُدّ من تمثيل سياسي لشعبٍ مقهور مازال أبناؤه يبحثون عن حقوقهم الضائعة.
إنّ الكرد عامة بحاجة ماسّة إلى حركة سياسية تعبّر عن مطالبهم وتعمل على تنظيمهم ورصّ صفوفهم، وبالرغم من ذلك إلا أنّ الأحزاب الكردية تبدو هشّة، وتكاد تتهاوى وهي بحاجة إلى من ينفخ فيها الروح ويعطيها القوة.
إنّ حالة الانشطار والانقسام الموجودة في الحركة الكردية أدّت إلى توسّع الهوّة بين الأحزاب والقاعدة الشعبية، في حين يُفترَض أن تكون التنظيمات السياسية هي العقل السياسي للشعب، فلماذا هذه الأحزاب على هذه الحال من البؤس والضعف؟ وماهي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟
لا شكّ أنّ خصوم الكرد قد عملوا واجتهدوا على طرفي المعادلة الكردية وبطريقة ذكية، فقد ساهم الخصم بدور محوري في زيادة نسبة الانقسام والانشطار في الحركة السياسية الكردية والتي هي الطرف الأول للمعادلة، وجنّد كوادر من الحركة نفسها لذلك الأمر، وقد استجابت الحركة السياسية لهذه الأجندة، وعززتها عندما رسخت عملية الانقسام والانشطار، أمّا الطرف الثاني من المعادلة والذي هو الشعب المغلوب على أمره، فالخصم لم يتركه على حاله بل مارس بحقه كل أنواع الاستغلال والابتزاز من حزام وتعريب وتفرقة عنصرية وحرمان من الجنسية، ومن حقوق أخرى، فلم تترك الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا أمراً شائناً إلا وارتكبته بحق هذا الشعب.
فما هي طرق الخلاص من هذه الحالة؟
لقد قيل «عندما تنظّم الشعوب المظلومة أنفسها تحصل على نصف تحررها "إذاً التنظيم هو العتبة الأولى في سلّم أيّة عملية نهضوية لشعب مقهور يبحث عن مخرج لتقرير مصيره، ولكن ممّا يؤسَف له أنّ الأحزاب الكردية والشعب الكردي يفتقران إلى التنظيم السياسي المطلوب، وهنا تكمن المشكلة، فالأحزاب بهذه الحال لا يمكن أن تفي بالغرض، ولا يخفى على أحد أنّ الأحزاب الكردية كانت في يوم ما أشبه بمدارس خرّجت أجيالاً من السياسيين، وأيقظت وعي الناس السياسي والقومي وكانت بمثابة منتديات وصالونات تُطرح فيها الأفكار والرؤى المختلفة وبطريقة ديمقراطية وحرة.
أما في الوقت الراهن فقد باتت كمؤسسات القطاع العام، حيث أصابها العجز والترهُّل، وهي بحاجة إلى صيانة وإصلاح، هناك بعض الطرق والمسالك إذا سلكتها الأحزاب الكردية قد تبلغ حالة سياسية متقدمة، منها ما يتعلق ببنية هذه التكوينات أو التنظيمات السياسية، فهي لا تقدّم الكفاءات المتوفرة عندها، ولا تضعها في الصف الأول، ولا تمنحها الصلاحيات الكافية والحرية في الحركة والعمل لكي تحقق ذاتها وتقدم أقصى ما عندها وبالتالي تنهض وترتقي بالحركة.
والأمر الثاني هو أن نضال هذه الأحزاب كان على الدوام يفتقر إلى الجدية والعمق، وكان ذا طابع شكلاني، وهذا الأمر هيأ التربة لتقويض القضية، وجعل من معظم القيادات الكردية مهرطقين ليس أكثر، لقد انهارت إرادة القيادة الكردية تحت سياط السجانين منذ خمسينيات القرن الماضي، وتبعثرت، وانتثرت حبات القضية، وتحولت الحركة إلى كائن أعرج ومعاق في حقل مليء بالأسود والفهود والثعالب. وأصبحت الحركة الكردية ناقصة الحضور، في الوقت الذي كان ينبغي لها أن تسلك مسارات أخرى تقوي وجودها كالسعي نحو كسب ثقة الجماهير والمحيط، فالحزب الجادّ يسعى دائماً ليمتلك رؤى وتوجهات شفافة تجعل الآخرين يدورون في فلكه، طالما كانت الجدية في العمل هي الدرب الوحيد لنهضة الأحزاب وتطورها، وبقاء الأحزاب وارتقاؤها يتوقف على جودة برنامجها السياسي ودعم الناس والتفافهم حولها ووجود رغبة قوية لدى هذه الجموع وإيمان بإيجاد حلول لوضعهم وخدمة قضيتهم عبر هذه الأحزاب، وكذلك توفر الاستعداد لدى هذه الجموع لتقديم جهود كبيرة في اتجاه خدمة القضية والتمسك بها بأيادي من حديد.
الشيء المؤسف هو أنّ جزءاً كبيراً من الشعب الكردي لا يولي اهتماماً كافياً بقضيته، وخاصة الطبقة الميسورة التي ماطلت في تبني القضية والدفاع عنها وبالمقارنةً مع البرجوازية العربية والمسيحية في المنطقة- فالبرجوازية الكردية كانت الأقل وطنية - وأقصد هنا الطبقة الثرية وملاكي الأراضي، فهي تتحمل السبب الأول في تأخر القضية وتقهقر الأمة، وكانت عاملاً في خلق حالة اللامبالاة وعدم الاهتمام عند الشعب تجاه قضيته ووضعها على الهامش، وبالتالي أصبحت الأغلبية الساحقة من العامة تسلك الطرق المختصرة والحلول الفردية لتحسين وضعها وحالها، ومن هنا باتت الهجرة والنزوح الخيار المفضّل لدى شريحة واسعة من أبناء شعبنا، وقد لا يُلام الناس على ذلك، أمام عجز الحركة السياسية في تحقيق شيء من الأماني.
أما في حالة وجود تنظيم رفيع ورسالة واضحة فستكون النتائج أفضل حتماً إذا تزامنت مع توفر استعدادات لدى أبناء الشعب لخدمة القضية والتضحية من أجلها، وبغير ذلك لن تشهد الحالة الكردية أي نوع من الارتقاء والنهوض، ولا شك أنّ اهتمام شعبٍ ما بقضيته يولّد حركة سياسية نشطة وناهضة، فالحقوق تضيع إذا لم يكن وراءها مطالب، ويبدو أنّ الماضي المأساوي لشعب يكفي لولادة قضية، ولكن لا يكفي لاستمرارها، يجب أن يكون الواقع مرّاً وصعباً أيضاً، فالواقع السيّئ للشعوب وحجم المعاناة الكبير يتمخّض عنه كيانات سياسية تنظم حركة هذه الشعوب وتقرر مصيرها ،هذه حتمية تاريخية
إنّ أيّ تنظيم سياسي قوميّ إذا لم يكون شاملاً لكلّ فئات الشعب لن يفلح، وإنّ الصراع الطبقي لن يقف حائلاً دون ذلك، فيما إذا اختار الحزب الطابع القومي فإنه بذلك يوفر وعاءً أو حاضنة تسع كل فئات وشرائح المجتمع وهذه الطريقة أو المنهجية نجحت عند اليهود، فالقومية اليهودية- اذا صحت التسمية- لاقت تأييداً من فقراء اليهود المغاربة إلى أباطرة المال اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، والعقيدة القومية اليهودية لا تؤمن بالصراع الطبقي بل كانت على الدوام وعاءً يسعُ جميع فئات وطبقات الشعب اليهودي ، فقراءهم قبل أثريائهم.
أما آن للكرد ان يعتبروا من تجارب الآخرين؟
إنّ البناء الاجتماعي الكردي لا يسمح بتأسيس أو ولادة حركة سياسية أو أحزاب سياسية قوية، خيوط الارتباط بين الشعب الكردي وقضيته أو حركته السياسية واهنة وهشة، وضعف الحركة السياسية الكردية يعود بالدرجة الأولى إلى إهمالها من قبل أبنائها و إلى إهمالها من قبل رعاتها.
يؤكد التاريخ أنّ الشعوب التي أولت اهتماماً كبيراً بالجانب السياسي من حياتها بنتْ دولاً وممالك، وأنّ الشعوب التي أهملت هذا الجانب عادت بخفيّ حنين، إنّ وظيفة الأحزاب في أوروبا تقتصر على المنافسة لتحسين وتوفير حالة أفضل للمواطن أما عندنا فالأحزاب تقدم أشخاصاً وتسعى لتوفير الولاء لهم وبالتالي تقديسهم وجعلهم رموزاً.
لقد كانت التنظيمات السياسية على الدوام نواة لدول وكيانات كبرى، وهذه حقيقة تاريخية لا تخفى على أحد، فلو لم تكن هناك جبهة كوردستانية في التسعينيات من القرن الماضي لما كان هناك إقليم كوردستان الذي نعاصره الآن، لقد كان وجود الأحزاب السياسية وقوات البيشمركة عواملَ ومقومات لبناء كيان كردي في شمال العراق، فالأمور لا تولد مصادفة، والحظ عجلة تدور بالعمل.
لقد كان البارزاني الأب يدخل في ترتيب أيّ مشروع سياسي في العراق أيام عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف وأحمد حسن البكر، وحتّى عبدالناصر لأنه كان دائم الحضور، وكان الراعي الأول للقضية، فلم يستطع الآخرون تجاوزه حتى لو أرادوا التآمر عليه، ومن هنا فإنّ التفاني مطلوب، والعمل مطلوب لأنّ الآخرين يعملون لكي تكون نكرة، وعليه فإن المطالبة والإصرار ضرورة.
ولعلّ إجراء الاستفتاء في كوردستان العراق هو خير مثال عن هذا الإصرار، لقد كان تعبيراً صادقاً عن أقصى حالات الشعور القومي، لذا لابدّ أن يأتي يوم، ويلقى المطلب الكردي بإنشاء دولة آذاناً صاغية.