التاريخ لا يعيد نفسه
محمد رجب رشيد
من المؤكّد أنّ التاريخ ليس آلة تسجيل وتصوير (كاميرا فيديو)، تُدوِّن الأحداث والأخبار بالصوت والصورة، كما هي دون زيادة أو نقصان أو تزوير، بل هو عِلم من العلوم الإنسانية، يهتم بتدوين أخبار الشعوب والوقائع التي حدثت لها بعيدًا عن الأساطير والخرافات، بحيث يعطي تصورًا دقيقًا واضحًا عن العالم القديم، والتجارب التي مرّ بها، أي أنّه صناعة إنسانية بامتياز.
لكن، كما نعلم كَتَبَة التاريخ ليسوا ملائكة معصومين من الخطأ ومن الانحياز، فالمنتصِر القوي يدوِّن الأحداث كما يحلو له، أمّا المنهزِم الضعيف فلا يملُك إلّا أن يشير إلى التزوير الذي لحِق بتاريخه، ويُصحِّحُه إنْ أمكن ذلك، الأمر الذي يعني عدم التسليم بكُل ما ورد في كُتب التاريخ دون قراءتها من عِدّة مصادر.
لا شكّ أنّ الحديث عن التاريخ ليس ترفًا فكريًا كما يرى البعض، بل لِأخذ العِبر، واستخلاص الدروس، مع الحذر من الوقوع في فخ المقارنة السطحية بينه وبين الواقع. إنّ الوعي السليم بِدروس وعِبَر التاريخ والفهم الصحيح للفارِق الكبير بينه وبين الواقع الحالي في جميع مجالات الحياة، من شأنهما الوقوف على سيرة الحضارات السابقة كما كانت، ومعرِفة عوامل نهضتها وأسباب زوالها، وبذلك نختصر على أنفسنا العديد من التجارب الفاشلة، ونتجنّب الأخطاء التي وقع فيها القُدماء وجرت عليهم الويلات والدمار في عملية التخطيط للمستقبل وبنائه. بالفِعل هناك من يعود إلى التاريخ ويُحسِن قراءته فيجده كنزًا ثمينًا للبناء عليه، وهناك من لا يعود إليه أصلًا، وإن عاد يكتفي بإلقاء اللوم على أجداده دون البحث عن الأسباب، وعدم الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي كانت سائدة حينها.
تتضارب الآراء فيما إذا كان التاريخ يُعيد نفسه وِفق مسار دائري مُغلق، أم أنّ الأحداث المعاصِرة لكل حُقبة من الزمن تتجدّد بشكل مختلف كليًا عن الماضي.
الرأي الراجِح في هذه المسألة يؤكِّد أنّ (التاريخ لا يعيد نفسه) بأي شكل من الأشكال. فقط الطُغاة والمغفّلون والحَمقى يعيدون الأخطاء نفسها وليس التاريخ نفسه، أمّا الاعتقاد الشائع لدى العامة بمقولة (التاريخ يعيد نفسه) وترديدها بمناسبة وبدونها، فما هو إلّا سرابٌ يلجأ إليه المتشائمون الذين لا يؤمنون بإرادة التاريخ في التغيير، هؤلاء وأمثالهم سينتظرون طويلًا ذلك السراب الذي لن يأتي أبدًا. فالتاريخ كالنهر الجاري لا يعرف الثبات، ولا يكفُّ عن التغيير، قد يكون التغيير سريعاً في مكان ما وبطيئاً في مكان آخر، يتوقّف ذلك على نشاط أبناء المكان أو كسلهِم.
إنّ وجود بعض أوجه التشابه بين أحداث الماضي، وما يجري في الحاضِر لا يعني حتميّة إعادة التاريخ لِنفسه، وذلك لسبب بسيط هو أنّ التاريخ لا سلطان له على الوقائع، ولا يملك أدوات التدخّل في صناعة الأحداث وصياغة الأخبار، نعم قد يتكرّر بعض ملامحه القديمة في الواقع الجديد، إلاَّ أنها سريعاً ما تُمحى.
التاريخ كالسيرة الذاتية للأشخاص، يمكن من خلالها الحكم على الشخص فيما إذا كان جديرًا بالاعتماد عليه أم لا، كذلك تاريخ الشعوب، إنْ كان مُشرِّفًا يمكن التكهُّن بنهوض الشعب من كبوته وبناء مستقبل مُشرِق لأبنائه، فمن لا تاريخ له لا حاضِر له. التاريخ بشكل عام لا يعيبه شيء سِوى التزوير، وما أكثره! على سبيل المثال، وليس الحصر قال المؤرِخ السوري سهيل زكّار على قناة التلفزيون السوري عام ١٩٩٨م عندما هدّد مسعود يلماظ -رئيس الوزراء التركي حينها- باجتياح سوريا والوصول إلى دمشق خلال أربعة وعشرين ساعة، بسبب إيوائها لعناصر حزب العمال الكردستاني ورئيسه، قال ما يلي: خلال أربعمائة سنة من الاستعمار العثماني لم نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، ثم عاد، وقال على نفس القناة بعد إبرام اتفاقية أضنة: أربعمائة سنة من التعاون بين العرب والأتراك، هم أخذوا منّا الدين واللغة، ونحن أخذنا منهم فنون العِمارة والقتال.
إنّ أهمية التاريخ لا تنحصِر في العِبَر والدروس، بل تشمل أيضًا حفظ تراث الأجداد وتشكيل الحافِز الدافِع للتفوُّق عليهم وعدم تِكرار أخطائهم ومحاولة إنجاز ما عجزوا عن تحقيقه. فالتاريخ لا يُغني عن الحاضر بشيء، ومن عدالته أنّه لا يظلِم أحدًا، ولا أحد يستطيع خِداعه، ولا يرحم الجُهلاء والحمقى، هناك من دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وهناك من فضّل مزبلة التاريخ على المجد، فاستحقّ لعنته!
كما أنّ عقارب الساعة في حركةٍ دائمةٍ باتجاه واحدٍ لا تعود إلى الخلف، كذلك التاريخ! فهو في حركة تصاعدية بِوتيرة متغيِّرة حسب نشاط الإنسان في كل زمان ومكان، ما يميّز حركة التاريخ أنّها بطيئة كحركة الباخرة في البحر -قد تبدو للمراقب البعيد ثابتة في مكانها- إلّا أنّه في حركة دائمة بنفس الاتجاه، لا نستطيع العودة به إلى الخلف أو تغييره مهما حاولنا. لِذا من الأفضل التعامل معه كما هو، إنْ كان مُشرِّفًا نفتخِر به، ونتّخِذ من صانعيه قدوةً لنا، وإن كان مُخجِلًا نتصالح معه. التصالُح مع التاريخ لا يقلُّ أهميّة عن استخلاص الدروس، والعِبر في عملية بناء الحاضر الذي نعيشه، والتخطيط للمستقبل الذي نحلم به.
البعض، وربّما الكثير من أبناء الشعب الكُردي يُحمِّل صلاح الدين الأيوبي واعتناق الإسلام مسؤولية عدم قيام دولة كوردية، هنا يجب تفهُّم الأسباب مهما كانت، وعدم القفز فوق حقيقة أنّ جَلد الأجداد والذات لا يُؤسِس دُوَل، ثمّ لماذا لا نتعلُّم من تجارب الآخرين؟ في بلدة المَنْكَبْ على سواحل غرناطة نصبت أسبانيا تمثالًا من البرونز لِلغازي -عبد الرحمن الداخل- تعبيرًا عن التصالُح مع ثمانية قرون من تاريخها. بالطبع لا أدعو هنا إلى نصب تماثيل للطغاة من أعداء الشعب الكُردي، بل مجرّد دعوة صادِقة إلى التصالُح مع التاريخ بكل مافيه من مآسي وويلات، والانطلاق نحو بِناء مستقبل أفضل للأجيال القادِمة.