الشرق الأوسط وكوردستان في اللحظة الراهنة

الشرق الأوسط وكوردستان في اللحظة الراهنة

فيصل نعسو

لعب ويلعب الصراع الحاد الآن بين الدول الكبرى المتحالفة في معسكرين متناقضين (المعسكر الشرقي بزعامة روسيا والصين وحلفائهما، والمعسكر الغربي بزعامة أمريكا وحلفائها في أوروبا) من أجل الهيمنة الجيو-سياسية وبسط النفوذ الإقتصادي- العسكري وكذلك التنافس الإقليمي الشديد (توركيا و إيران وإسرائيل ودول عربية كمصر والسعودية وغيرها) بين حكومات ورؤساء ذات الإقليم عبر قيامها بإجراءات محددة ومتعددة الأوجه للمحافظة على سيادتها وأمنها القومي، على حساب الحقوق القومية المشروعة في حق تقرير المصير للشعب الكوردي في الأجزاء الأربعة من وطنه كوردستان - أدواراً كارثية عبر معظم المراحل التاريخية السالفة لشعبنا ولكافة الشعوب الأخرى القاطنة معنا على هذه الرقعة الجغرافية إلى يومنا هذا.
انعكس هذا الصراع الشرس حالياً من قبل أحد القطبين المتخاصمين، الذي اتخذ طابعاً دموياً باستخدام طرف ثالث أحياناً كما هو جار في أوكرايينا بين روسيا ودول حلف الناتو تارة، أو أن اتّسم بالمواجهة الخفية غير المباشرة عن طريق دعم وكلاء لهما في تلك الدولة أو ذاك الإقليم كما هو حاصل في بعض دول أفريقيا، وفي بعض دول الشرق الأوسط المجزأة لكوردستان إلى حد ما تارة أخرى.
نتيجة هذا الاستقطاب الحاد والعداء المخيف بين الدول المشاركة في القطبين المتنافسين عالمياً وإقليمياً ومحلياً، أخذ في التشكل تدريجياً نظام عالمي جديد مؤلّف من منظمات وأحلاف دولية جديدة باسم (منظمة بريكس 2009، المكونة من روسيا، الصين، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا) و(منظمة شنغهاي2001 المشاركة فيها ذات الدول في بريكس، إلى جانب جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة)
بعد مرور عدة سنين على تأسيس هاتين المنظمتيْن، انضمت أو ستنضم إليهما دول عدة كبرى ذات وزن اقتصادي وعسكري وسكاني وجغرافي كبير وهام في كل من أوراسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية (كإيران وباكستان وأندونيسيا وأرجنتين والسعودية والجزائر ومصر.... الخ) لتتبارى مجتمعة مع دول حلف الناتو ومجموعة الـ 7 الكبار ليس هذا وحسب، بل تجاوزتها في ميادين عدة أيضاً.
هناك مسائل أخرى لا تقل أهمية عما ذُكر أعلاه، لها تأثير كبير ومباشر على مجرى الأحداث في الشرق الأوسط وكوردستان. لكنني سأكتفي بهذا القدر من العرض والتحليل المتعلق بما يجري في الأجزاء الأربعة من كوردستان بإيجاز، وعما يحدث معها في روجآفا منها بشيء من التفصيل.
توركيا الأردوغانية تلعب بنجاح مع الجميع على كافة الحبال حتى الآن. فهي عضو في الناتو. لكن تربطها علاقات قوية مع القطب الشرقي (روسيا، الصين، الهند وغيرها) والدول العربية في الشرق الأوسط وأفريقيا العربية والإسلامية. كما يجب ألا ننسى ارتباطاتها الوثيقة مع إسرائيل، بالرغم من إظهارها عداوتها لها. لذلك مسموح لها التعامل مع القضية الكوردية في باكور وروجافا كوردستان كما يحلو لها دور حسيب أو رقيب.
أما إيران الملالي وحلفائها في سوريا والعراق، فهم حلفاء المعسكر الشرقي وبشكل خاص روسيا والصين منه، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فهم لا يتأخرون قيد أنملة على التفاهم والتنسيق من توركيا بشأن عدم إيجاد حلول مرضية لحق تقرير المصير للكورد في حدود الدول الأربع.
لكن "الصديقة إسرائيل" كما يحلو للبعض تسميتها، فهي تنطلق التعامل مع حقوق الكورد القومية خدمة لمصالحها الوجودية والحياتية ليست أكثر. فإنها محاطة بجيران عرب معادين لها حتى العظم، وبمسلمين متشددين في كل إيران وتوركيا. لذا يسعى بعض قادتها، ولا سيما عند تضييق الخناق عليها، إلى إطلاق تصريحات تضامنية مع القضية الكوردية أو حتى تقديم معونات متعددة الأوجه محدودة التأثير للكورد من أجل تخفيف الضغط المتزايد عليها. لكن ما ان تحقق ما تسعى إليها، حتى تنسى ما أعلنت عنها وما وعدت به. وهذا ما حصل طوال تاريخ تعامل إسرائيل مع المسألة الكوردية.
ازدادت الوطأة مع مجيء قوات التحالف الدولي تحت قيادة أمريكا إلى شمال- شرقي سوريا (مع الأسف، لم يعد أحد يتجرأ حتى ذكر إسم روجآفا كوردستان في المحافل الدولية) تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وداعش، حيث لم تصرح لا من قريب ولا من بعيد حول إيجاد حل للمسألة الكوردية.
كذلك معروف للجميع، أن توركيا احتلت أجزاء من روجآفا كوردستان لتضمها إلى حدود محافظة إدلب وبعض مناطق اللاذقية وحماة، الواقعة تحت سيطرة القوى العروبية والإسلاموية المتطرفة التابعة لها.
كما تدخّلت روسيا عسكرياً بالتنسيق مع إيران وحزب الله لمساعدة السلطة في سوريا من أجل إعادة بسط سيطرتها على مناطق عدة في البلاد، ومواجهة توسع نفوذ التحالف الدولي في سوريا وروجآفا كوردستان (شمال شرقي سوريا). علماً أن روسيا أعلنت دون مواربة وعلى لسان وزير خارجيتها أنه لا حلّ للمشكلة السورية، دون أخذ مطالب الكورد بعين الاعتبار في البلاد.
بهذا الشكل، تعقدت المسألة السورية، بما فيها إيجاد حل لمصير روجآفا كوردستان أكثر فأكثر. وهنا سأتوقف بالمزيد على الشأن الكوردي فقط. إذ تحكم روسيا مع السطة الحاكمة وإيران مناطق كوردية لوحدها. كذلك الحال بالنسبة للتحالف الدولي برئاسة أمريكا ومعها (قسد ومسد وغيرها) وتوركيا أيضاً. كما أنه هنا مناطق نفوذ مختلطة لكلا التحالفين.
فتصوروا مدى صعوبة اتخاذ مواقف وتبني قرارات تخدم تحقيق ما هو مرتبط بحق الكورد في تقرير المصير (الحكم الذاتي، الفيدرالية وغيره) من قبل الأحزاب والفصائل الكوردية المتعددة الاتجاهات والانتماءات.
يبدو طبيعياً، إزاء هذه اللوحة المأساوية بالنسبة لنا أن نتأثر نحن الكورد سلباً أكثر من غيرنا في معمعان هذا الصراع المحتدم المحاط بنا من جميع الجهات، لأننا الحلقة الأضعف في سلسلة المعارك الجارية في إقليمنا الآن. إذ تسعى جميع الدول الكبرى وحلفاؤها الإقليميون ووكلائها المحليون، بمن فيهم قسم من الكورد الطامحين إلى السلطة والثروة والنفوذ المجتمعي، عبر أجهزتها الأمنية والقنوات الخاصة بهم إلى الدسّ والوقيعة عن طريق إثارة النعرات المناطقية-المحلية، وتشجيع الطموحات الذاتية- الشخصية، وترسيخ قيم العشائرية- القبلية البالية بين جماهير الشعب الكوردي والأحزاب المنبثقة عنها، الشيء الذي يؤدي لا محالة إلى نتيجتيْن خطيرتين على مستقبل القضية الكوردية في قرننا الـ21 وهما: أولاً: عرقلة تبلور وتعزيز الانتماء إلى الكوردايتي والكورد بروري، مقابل التشدق والتمسك بالانتماء للحزب والشخص، والادعاء بصحة السياسة و المواقف المتخذة. ثانياً: المزيد من التشرذم والتفكك والانقسام، المؤدّي إلى المزيد من التشاؤم والتردد واليأس بين جماهير شعبنا.
وهذا الذي يحصل بعينه في المجتمع الكوردي وأحزابه المتشكلة على هذا النحو حالياً. وهذه هي الطامة الكبرى.
عنوان
- هناك مسائل لها تأثير كبير ومباشر على مجرى الأحداث في الشرق الأوسط وكوردستان
-روسيا أعلنت وعلى لسان وزير خارجيتها أنه لا حلّ للمشكلة السورية، دون أخذ مطالب الكورد بعين الاعتبار في البلاد