سيمفونية الختام بين غيفارا والشيخ سعيد

سيمفونية الختام بين غيفارا والشيخ سعيد

صالح محمود

مازالت سيرة غيفارا تتعرّض للانتقاد حتى في مسقط رأسه، غيفارا الرمز وأيقونة الثورة والنضال في العالم كله، غيفارا تعرّض للانتقاد لأنه كان يمارس العنف القويّ ضد معارضيه، ففي خطاب ألقاه غيفارا في إحدى جلسات الأمم المتحدة قال: " إننا أعدمنا الكثير، وسنُعدم الكثير ما دام الإعدام ضرورياً." لقد كان غيفارا يُشرف شخصياً على عمليات الإعدام التي كانت تتمّ بحقّ معارضيه، وكان يشارك فيها شخصياً، غيفارا كان يضرب معارضيه بيد من حديد، وكان يسعى، ويعمل على بناء الاشتراكية والمجتمع الشيوعي في البلاد التي يذهب إليها بالقوة والعنف. لقد اختلف غيفارا مع رفيق دربه فيدل كاسترو، وقد كان مصدر الخلاف هو الإيمان بالعمل المستمر والتنقل الدائم من بلد إلى آخر، والإيمان باستمرارية الثورة وديمومتها.
لقد كان غيفارا مناضلاً فذاً لا يشقّ له غبار، ويعمل بلا هوادة، ولا يعرف التوقف أبداً، وأمضى سنوات عمره القصيرة متنقلاً من ساحة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، في سعيٍ دائم لتجسيد قناعاته ورسالته، لقد كان قائداً مُلهماً لرفاقه الثوار، فبمجرد انتشار خبر وجوده بينهم كان كافياً أن يقلب ميزان المعركة لمصلحة الثوار، لقد كان غيفارا يرفع معنويات رفاقه بشكل رهيب.
كان ذا همّة عالية، وحماس غير محدود، وكان دائم التنقل والترحال حيث بدأ من الأرجنتين وانتقل إلى كوبا، ومن ثَمّ إلى الكونغو ومن هناك إلى بوليفيا، وفي بوليفيا، وشى به راعي الغنمٍ، فأمسكته القوات العسكرية البوليفية، وأعدمته في كوخ في غابة، وعندما سُئل الراعي الذي كان سبباً في إلقاء القبض عليه، لماذا وشيت بغيفارا نصير المسحوقين أمثالك؟ ردّ الراعي: لقد كانت أصوات بنادق مجموعة غيفارا تفسد على قطيعي الرعي!
هذا وقد طالب أهالي المدينة التي وُلد فيها غيفارا بإزالة صوره وتماثيله من الشوارع، لقد سئم الأهالي من صوره ونفد صبرهم، ولم يعد يطيقوها، هذا حال غيفارا الآن.
أمّا فيما يتعلق بالشيخ سعيد فقد خاض معارك قوية وحامية الوطيس ضد الجيش التركي، وحقق انتصارات كبيرة جعلت الرعب يدبّ في قلب النظام التركي آنذاك، لقد كان الشيخ يضرب خصومه بيد من فولاذ وقد كان المرحوم ملا مصطفى البارزاني آنذاك شاباً وواحداً من جنود الشيخ سعيد المغاوير والأشاوس، ولكن دائماً هناك تراجيديا حزينة ترافق الثورات الكردية وتلازمها، وتصبغها بنهايات سوداء وكئيبة، فالشيخ سعيد صاحب سيرة نضالية حزينة، وأصعب ما في هذه السيرة هي رحلة سوقه إلى الإعدام بعد إلقاء القبض عليه وتفرّق أنصاره وتقهقرهم، وهي حكاية تتناقلها الألسن، ولم أجد لها مصدراً آخر.
والحكاية تقول: إنّه عندما وقع الشيخ أسيراً رافقته كتيبة صغيرة مؤلفة من عدد قليل من الجنود الأتراك حيث كُلفوا بإيصاله إلى جهة معينة لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وكان الموكب يتألف من بغلتين أو ثلاث على الأكثر وبعض الجنود المشاة الجائعين والذين كانوا يحيطون بالشيخ سعيد إحاطة السوار بالمعصم، وخلال مسيرة الموكب في رحلته التي دامت أياماً، مرّ الموكبُ ببعض القرى الكردية، وكان سكان هذه القرى يتهافتون لرؤية هذا الموكب، ويدركون تماماً أنّ هذا الأسير الذي يرافق الكتيبة التركية هو الشيخ سعيد، وأحياناً كانوا يلقون عليه السلام ويتبادلون معه الحديث، وإن كان يريد شيئاً، وفي كل مرة كان الشيخ يطلب بصلاً حاراً وهي كناية عن شباب شجعان ووطنيين وغيورين لكي يخلصوه من أيدي هذه القلة القليلة من الجنود، وبدل أن يُقدموا على خطوة كهذه، كانوا يجلبون له البصل، ويكتفون بالدعاء بأن يفكّ الله أسره، ويخلصه من هذه الحال السيئة، وفي كل مرة كان يطلب فيها الشيخ بصلاً كانت آماله تخيب ورجاؤه يضعف.
لقد وصل الشيخ سعيد إلى منصة الموت وحبل المشنقة وأُعدم دون رحمة في حين كانت فرصة إنقاذه كبيرة، فمجرّد مغامرة صغيرة من بعض الشباب الكرد كانت كافية لإنقاذه، ولكن مع الأسف شاءت الأقدار أن تنتهي سيرة الشيخ سعيد بهذه الطريقة المأساوية والمؤلمة.
فأن تصبح رمزاً نضالياً لشعب عليك أن تخسر حياتك أولاً، ففي منطق الشعوب الرموز هم قرابين، لذا يجب أن يُعدموا أو يُقتلوا بطريقة أو أخرى، ومن ثم تبدأ رحلة التقديس والتمجيد لهم.
أصحاب الحسين تخلوا عنه، ومن ثم لطموا صدورهم ندماً، وأصحاب غيفارا وشّوا به، ومن ثم بنوا له تماثيل وقدّسوها، وأصحاب الشيخ سعيد تركوه يُعدم، ولكنهم أسكنوه في قلوبهم وذاكرتهم وجعلوه رمزاً وأيقونة.