مسارات التطبيع مع دمشق

مسارات التطبيع مع دمشق

عبد اللطيف موسى

لعل السؤال الذي يتبادر إلى أذهان كل متتبع لسير الأحداث والتطورات المتسارعة في الأزمة السورية عن مدى فرص نجاح مسارات التطبيع بين الدول العربية وتركيا ودمشق، وهل حققت فرص التطبيع النتائج المتوقعة منها؟ وهل تحققت طموحات الشعب السوري الذي يعاني من أزمة اقتصادية شديدة في سبيل توفير أبسط مقومات المعيشة اليومية أو تحقيق أي انفراجه أو أحداث أي خرق في وضع نهاية للأزمة السورية كلها جملة من الأسئلة تتطلب سير الأحداث.
في العودة إلى الظروف التي استدعاها التوجه نحو تحقيق مبادرات التطبيع مع إدارة دمشق من أجل دفعها إلى تنفيذ بعض الاستحقاقات الأساسية لتمهيد الأرضية إلى أيجاد تفاهمات في صياغة بعض الحلول لتلك الأزمة، وفي تشخيص الظروف التي دفعت تلك الدول في تحقيق أي اختراق يفضي من شأنه للحل مع دمشق عبر التوجه إلى التطبيع لتكون مصالح بعض من تلك الدول الأساس، والأرضية لتنطلق منها مسارات التطبيع مع دمشق إلى تحقيق استحقاقات سياسية تناسب مصالح تلك الدول وتحالفاتها في السعي إلى دفع دمشق للخروج من الحضن الإيراني والتخلُّص من هيمنتها على مصادرة القرار في دمشق، ودفع سوريا في العودة إلى الحضن العربي وتحقيق انخراط الدول العربية في المشاركة في قرارات دمشق وفعالية تلك الدول في الأزمة السورية، وكما أن مشكلة المخدرات التي افتعلتها بعض الجهات المتنفذة في دمشق لتصبح دمشق في ظل الفلتان الأمني وفقدان مركزية السيطرة على الأراضي السورية إلى جعل دمشق أكبر قاعدة مهددة للأمن القومي في الشرق الأوسط من خلال تصدير المخدرات والمواد المخدرة إلى تلك الدول ولاسيما الأردن والدول الخليجية، وكذلك الأزمة الاقتصادية والإنسانية والمعيشية في سوريا التي وصلت إلى مستويات مخيفة تهدد بتفكك المجتمع السوري وانهيار الدولة السورية حسب توقعات مراكز الدراسات ومؤسسات صنع القرار العالمية، كما أنّ تجسيد الصراع الخفي على السلطة وتوسيع وتحقيق النفوذ بين محاور الصراع على السلطة في العالم ممثلة بالولايات المتحدة والناتو وروسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية في جعل سوريا الحديقة الخلفية للصراع في الأزمة الأوكرانية، واستثمار تركيا لذلك التطبيع في تحقيق دعاية انتخابية موجهة إلى الداخل التركي في انتخاباتها والمساومة مع الدول الفاعلة في الأزمة السورية لتحقيق مصالحها على حساب التطبيع مع دمشق
في التشخيص لأهمية سير الأحداث والظروف التي أدت إلى التوجه نحو تحقيق التطبيع مع دمشق يمكن للقارئ الكريم أن يستنتج مدى فرص نجاح مبادرات مسارات التطبيع مع دمشق من عدمه في ظل النتائج والتطورات إلى حصلت بعض تنفيذ مبدأ خطوة بخطوة تمهيداً للتطبيع لاسيما بعد خطوة إعادة شرعية دمشق في الجامعة العربية وزيارة بعض الشخصيات الدبلوماسية والسياسية وتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية على دمشق انطلاقا من الجانب الإنساني.
في دراسة السبب الأساسي الذي دفعت الدول العربية إلى التطبيع مع دمشق في الهدف إلى إبعاد دمشق عن الحضن والهيمنة الإيرانية إلى ما يسمى الحضن العربي بالعكس من ذلك تماماً ذات الهيمنة الإيرانية على دمشق، وأصبح القرار السوري والسيادة السورية أكثر استباحة من ذي قبل عبر توسيع إيران لاتفاقيتها مع دمشق والدفع أكثر لميلشياتها إلى سوريا ولتكون ضراوة أشداد القصف الإسرائيلي الذي يكاد يكون شبه يومي.
إن عجز دمشق عن تنفيذ أي خطوة مقابل خطوة في أعادتها إلى الجامعة العربية أدت إلى جدية تفكير بعض الدول المتحمسة إلى تحقيق حيادية واستقلالية صنع القرار في دمشق بالتراجع في ظل عجز دمشق عن التحرر من الهيمنة الإيرانية والروسية في استقلالية قراراتها لذا بقيت دمشق عاجزة عن اتخاذ أيّ خطوة مقابل أعادة مقعدها إلى الجامعة العربية، وكذلك عدم قدرة بعض الدول ولاسيما الأردن في منع تجارة المخدرات ومرورها عبر أرضيها وقناعة الدول الخليجية باستحلاله جدوى قدرة دمشق على منع كبار تجار المخدرات من صنع المخدرات على الأراضي السورية، وكذلك التعنت الروسي واستخدام الفيتو في مجلس الأمن والمساومة على منع التجديد لإدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى وباب السلام والمعابر الأخرى مما دفع هذا القرار الويلات المتحدة والكثير من دول الاتحاد الأوربي إلى عدم تجديد إدخال المساعدات وعدم إعطاء الإعفاءات من العقوبات الاقتصادية والسياسية ،وكذلك فشل بعض المساومات التركية مع روسيا والتلويح بنهاية مسار أستانا وانتهاء الاستهلاك الداخلي الموجه للشعب التركي في الدعاية الانتخابية ومسائلة اللاجئين دفع تركيا إلى عدم الحماس لفكرة التطبيع مع دمشق وليبقى ملف محاربة الإرهاب ورقة تستخدمها تركيا للتلويح بها في الظروف التي تناسب مصالحها في المساومة مع الدول الفاعلة في الأزمة السورية وليناسب كل هذا الويلات المتحدة في أحداث إحراج للدول العربية في استحالة جدوى قبول نظام دمشق بأي حلول تقود إلى حلول للأزمة السورية، وكذلك خروجها من الإحراج أمام المنظمات العالمية ومنظمات حقوق الإنسان بأن عقوبتها على دمشق هي ما يمنع الحلول أو إحداث أي خرق في الأزمة السورية ولتكون المقابلة الأخيرة لهرم السلطة في دمشق بشار الأسد مع إحدى القنوات الإقليمية الرصاصة الأخيرة في تحقيق أي تقدم بشان مسائلة التطبيع من خلال تصريحاته التي كانت أبعد ما تكون عن أي حلول واقعية تناسب إيجاد أي حل في الأزمة والتي دلت على تعنت دمشق وإصرارها على مواقفها السابقة في دلالة على عدم استقلالية قرارها السيادي. في المحصلة، يمكن لنا أن نستدل من خلال عرض ما سبق من الأسباب وضرورات ونتائج مبادرات التطبيع مع دمشق عن عدم توافر أي فرص في نجاح مبادرات مسار التطبيع في ظل تمسك كل الدول بموقفها السابقة، والسعي الروسي إلى جعل دمشق الحديقة الخلفية للازمة الأوكرانية وتصدير إيران مشروعها المذهبي والمساومة التركية وابتزازها في الأزمة السورية، ولكن مع غياب مبادرات نجاح التطبيع لتبقى الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات ولاسيما التصعيد الأخير بعد التحشُّدات الأمريكية والإيرانية لقوتها، وزيادة الاحتكاك الروسي الأمريكي على الأرض السورية لتنذر بمواجهة من نوع آخر يكون ضحيتها الشعب السوري.