الـ ب ك ك متى يسقط الصولجان؟
صالح محمود
إن انتشار الآبوجية الواسع في مناطق معينة بحد ذاتها، يعود الى العقلية المتحجرة والمتعصبة لسكان تلك المناطق، والبككه يجد له ملاذاً آمناً في تلك العقلية، لأنه في اللحظة التي يهيمن فيها على هذه العقلية فقد أمن الاستمرار وأمن البقاء، فالإيديولوجيات المتطرفة تلاقي التربة الخصبة في العقليات المتطرفة والمتحجرة ،"وأخطر لوثة يُصاب بها العقل هي لوثة الإيديولوجيا" فهي ترى دائماً ما يجب أن يكون عليه الواقع ولا ترى الواقع نفسه، فالواقع يسير في خط حيث يحتمل المنعرجات والمنعطفات الكثيرة وهذه السمة هي طبيعة له، والأيديولوجيا تسير في خط آخر مختلف تماماً، ومن المستحيل أن تتطابق مع الواقع بشكل كلي والإيديولوجيا هي قناعات مرسومة مسبقاً لناس فكّروا وصاغوا نسقاً من الأفكار والمعتقدات لمستقبل الشعوب في زمنٍ ما وقد لا تصلح تلك المعتقدات والأفكار للشعوب نفسها في وقتٍ آخر وقد تتناقض مع رؤاها الجديدة.
ومن المستحيل أن تتطابق مع الواقع بشكل كلي، والإيديولوجيا هي قناعات مرسومة مسبقاً لناس فكّروا وصاغوا نسقاً من الأفكار والمعتقدات لمستقبل الشعوب في زمنٍ ما وقد لا تصلح تلك المعتقدات والأفكار للشعوب نفسها في وقتٍ آخر، وقد تتناقض مع رؤاها الجديدة ومع ما تريد.
لقد شهد تنظيم البككه انتشاراً كبيراً في الثمانينيات وشقّ طريقه رغم الصعوبات ودخل في صراع شديد مع التيارات السياسية الموجودة، وفي البدايات كانت صورة هذا التنظيم غامضة يلفها الضباب، وكان جاذباً للفئات المثقفة والواعية من المجتمع من أطباء ومهندسين وطلاب مدارس وجامعات، وهؤلاء تركوا كل شيء والتحقوا بصفوف هذا الحزب، أملاً بالخلاص، ولكن هيهات!! وقد شكل هذا الأمر عاملاً في قوة هذا التنظيم الذي كان عاصفاً في الثمانينيات
أما الآن، فالوضع مختلف تماماً، وتلك المرحلة انطوت إلى الأبد، فشعبية هذا التنظيم تتراجع، وتنحدر بشكل قوي، وينفض الناس من حوله، ولم تعد حيله تنطلي على الكثير من الناس، وموقعه تغير، وظروفه تغيرت. فبعد أن كان أنصاره منتشرين في الجبال والكهوف أصبحوا على تماس مباشر مع السلطة والمال من خلال الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا وفي شنگال، والسلطة كانت على الدوام مفسدة كبيرة، لقد تغيّرت الحال بالنسبة للبككه متمثلاً برافده ب ي د فهو يمتلك ثروة هائلة، ويتحكم بآبار النفط والتجارة بمشتقاته وبالمعابر، وبالدعم الأمريكي والأوروبي. ومصادر أخرى للرزق نحن نجهلها، وهذه الأمور غيّرت الواقع السياسي للتنظيم، وغيّرت نظرة الناس إليه، فعندما تكون السلطة حاضرة والمال وفيراً يحضر الفساد. ففي الوقت الحالي هناك مجموعة كبيرة من اللصوص والفاسدين والمارقين والمستفيدين في طليعة هذا الحزب، بعد أن كان في طليعته مجموعة من الأنقياء والمخدوعين في البدايات وفيما مضى من السنوات، حيث كانت القضية بأمسّ الحاجة إلى بذل الجهود و التضحيات دون مقابل.
لقد كان أنصار البككه سابقاً مأخوذين بفكرة الوطنية والتحرر القومي وجملة مبادئ لم تعد لها وجود الآن، حالياً، الحزب يعتمد اعتماداً قوياً على المرتزقة ليعملوا في صفوفه، ويلجأ إلى أساليب مثل التجنيد الإجباري وخطف اليافعين والفتيات الصغيرات ليغطي حاجته من الطاقة البشرية، لأن التنظيم لم يعد له جاذبية كما في السابق، وبات الموضوع الحالي موضوع منفعة ومصلحة أكثر من أي شيء آخر، أما في السابق فقد كان أنصار هذا الحزب يموّلونه من قوتِهم اليومي ومن أموالِهم، ويرفدونه بشبابهم وطاقاتهم، وكان هناك استعداد قوي للتضحية والخسارة، ولكن لكل مرحلة ظروفها وأحكامها، فالإيديولوجيا تسودها العصبية في المرحلة الأولى مرحلة المقاومة، أما في مرحلة الدولة -إذا صحت التسمية- فهي تتراجع وتضعف، وتنكمش، وتبدأ بالزوال عندما تُطبق.
وهذه حال كل إيديولوجيا، فالإيديولوجيا الشيوعية مثلاً تلاشت بعد التطبيق والممارسة والعقيدة القومية التي سار عليها حزب البعث وعبدالناصر باتت مقيتة.
القنديليون لصوص وسُرّاق وهم الذين يقودون الإدارة الذاتية ومقاليد الأمور بأيديهم حصراً. وهذا الأمر وحده سيؤدي إلى دمار البككه وهلاكه، وعندما تكون سيئاً يكثر أصدقاؤك وخصوصاً في مجال السياسة، وأكبر مثال على ذلك داعش عندما ظهر وبالرغم من إرهابيته المقيتة تعددت الدول والأطراف التي أجزلت له العطاء والدعم، فالشر يسكننا، وهنا تكمن المشكلة.
لقد كان وراء انتشار وتوسُّع البككه فيما مضى مجموعة عوامل ساهمت في تقويته وتمكينه ونفس العوامل ستمهّد لدماره وزواله ومنها ارتباطه بغرف مخابرات من الدول المجاورة، ومن المعروف عن هذه الغرف قوتها وحجمها وقدرتها على تعويم أي تنظيم إذا كان يخدم مصالحها، وتسليط الضوء على هذه النقطة بعد -التطور الإعلامي الهائل- لا يصب في مصلحة البككه بالإضافة إن البككه حزب شمولي لا يؤمن بالديمقراطية والحوار الحر، والقرارات عنده أحادية تُؤخذ من جانب شخص واحد أو دائرة ضيقة من الأشخاص فقط، وهذا الأمر جعله يحافظ على وحدته واستمراره لزمن طويل وعدم تعرضه للانشقاق، وهذا العامل سوف يلكأ ويعرقل مسيرة البككه ويضع العصي في العجلات في زمن ٍعنوانه الحرية والديمقراطية، هذا التنظيم له طريقة غريبة وغير محبّذة لتسويق نفسه وهي إنه على استعداد بالتضحية بأكبر عدد من مقاتليه لأسباب تتعلق بالأنانية الحزبية، فهو كالعلق لا يعيش إلا على الدماء فهو يضحي بأرواح ليكسب أنصار آخرين جدد، ولديه مهارة عالية في هذا الاتجاه، فموضوع التضحية برفاقه وإهراق الدماء بالنسبة له هو عبارة عن مصيدة، وفخ، وليس إيماناً بنبل القضية وهي وسيلة لزيادة النفوذ وتوسيع القاعدة الشعبية عن طريق أكبر كم من الشهداء، ويتم توريط أكبر عدد من الأسر المترددة والمتلكئة لحسم ولائها للحزب عن طريق خطف أبنائها وتسويقهم، والمسارعة في التضحية بهم على مذبح الشهادة، ولمَ لا؟ لأنهم بالأساس طُعم لتوريط هذه الأسر لحسم خياراتها بالانحياز لتيارهم والاصطفاف خلفهم، أليست هذه صفاقة؟ أليست هذه متاجرةً رخيصة بدماء الكرد؟ أليست هذه مؤامرة دنيئة وقذرة على العائلات والأسر الكردية بجرّها في اتجاه معين دون رغبتها وإرادتها وكذلك مؤامرة على الشهداء والضحايا ذاتهم بكم أفواه ذويهم وأقربائهم بطريقة قسرية بحجة أن لديهم مقاتلين سقطوا شهداء في صفوف هذا الحزب ولا خيار أمامهم سوى الرضوخ والاصطفاف وراءه.
البككه لديه أساليب شيطانية لتوريط الناس وتوسيع قاعدته الشعبية، وهذه الأساليب لا تمت الى الوطنية والمبادئ بشيء. فقيادات البككه لا ينتظرون العقول لتستوي، وتكتمل وللقناعات لتنضج، فهم يسلكون الطريق الملتوي والمختصر بتوريط البشر والناس وهي وسيلتهم وطريقتهم المفضلة، ويضاف على أسباب قوة وانتشار هذا التنظيم، توفر الثروة والمال، فهو منذ بداياته يستميت لكي يحصل على المال فقد كان ولايزال يفرض نوعاً من الأتاوة على رفاقه ومؤيديه بحجة وجود ثورة ومقاتلين في الجبال.
بالإضافة إنّه منذ تأسيسه يغرد وحيداً ومنعزلاً وإذا احتكّ بالآخرين فبمنطقه سوف ينتهي، ويزول لأنه لا يؤمن بما يؤمن به الآخرون من حرية رأي وديمقراطية، والبنية أو القوام الداخلي لهذا الحزب لا يحتمل التماس أو الالتقاء مع الآخر أو التنسيق معه، ولا ينجذب إلى ذلك على الإطلاق، فهو دائماً يحارب المحيط السياسي من حوله لأنه يفضّل التفرد والتميز، وفي هذا دوام واستمرار له كحزب، وله خاصية أخرى وهي إنه تنظيم مفتوح وأبوابه مشرّعة للكل بالدخول فهو لا يمانع أن ينضم إلى صفوفه بقايا البعثيين والمخبرين أو حتى مرتزقة عرب أو آشوريين من غير الجنسية الكردية، فهو ليس حزباً قومياً خالصاً، ويروّج إنّ لديه رسالة إنسانية عليه أداؤها لذلك يستقبل الجميع، وبالتالي يبدأ بتلقينهم الأيديولوجيا الخاصة به.
هذا الحزب منذ بداياته قريب من الأنظمة الغاصبة لكوردستان ويستمد منها الدعم والمساندة، وعلى الدوام كان صديقاً للنظام السوري، وللأنظمة المتعددة في العراق بدءًا من نظام صدام حسين وانتهاءً بالعبادي، وكان على علاقة طيبة مع نظام الملالي، طبعاً علاقته تقتصر على الغرف المغلقة لمخابرات هذه البلدان، وليست علاقات سياسية محترمة، ولا يتوانى هذا التنظيم في تلقّي الدعم المادي واللوجستي من هذه الأنظمة، فهو دائم السعي والبحث عن ولاء الأنظمة، ولا يلتفت إلى الشعوب قط، ويأتي ولاؤه لهذه الأنظمة على حساب الشعب الكردي وقضيته في أجزاء كوردستان المتعددة.
أوجلان شخصياً لم تكن تهمُّه العلاقة مع باقي الأحزاب أو الزعامات السياسية الكردية أو الاحتكاك الإعلامي ولقاء الصحفيين لأن هذا الأمر سوف يعرضه للإحراج والكشف، ويظهر مواضع الضعف لديه، خاصةً وقد أحاطه رفاقه بهالة من القدسية والبابوية، وقد لقب نفسه بآبو وهي تعني العم الأول ليس قبله ولا بعده، في حين إنّ شخصية عظيمة كمسعود البارزاني اكتفى بلقب الكاك، وهي تعني الأخ.
العوامل التي شكلت قوة هذا التنظيم هي نفسها ستشكل أسباب ضعفه وتقهقره. وتغير الظروف وتطور الحياة السياسية للشعب الكردي وزيادة الوعي والإدراك لديه كفيل بكشف الغطاء عن سياسات البككه وألاعيبه التي لا تخدم القضية الكردية وستكشف حيله، وستطوى هذه الصفحة السوداء من التاريخ الكردي المؤسف حقيقةً وسوف يسقط الصولجان من يد البككه، والكثير من مقدمات هذا التغيُّر أصبحت ظاهرة ومتوفرة وإنّ غداً لناظره قريب.