نعم... نحن كورد
عبدالحميد جمو
دفاع الشعوب عن كرامتها ومطالبة حقوقها والذود عن أراضيها ومحاربة المعتدي، حق أكدته الأعراف والمواثيق الدولية، وشرعنت المقاومة بكافة أشكالها وكافة السبل أي كانت ضد المحتل، فالمقاومة حق مشروع للشعوب التي طالها الضيم.
طالما أن المواثيق والاتفاقيات الدولية ضمنت هذا الحق لكافة الأمم، اذا من حق الكورد كأمة تعرّضت منذ مئات السنين لأبشع أنواع الاضطهاد من غزوات وحروب إبادة وتطهير عرقي، وإنكار وجود وطمس للهوية واغتصاب الأرض، ومحاولة صهر أمة كاملة بتاريخها وثقافتها وعادتها وتقاليدها ضمن الشعوب المغتصبة لها بمباركة من جهات ناقمة على الكورد لأسباب تعود هزائم تاريخية نالتها فعاهدت نفسها أن تشتتها وتجعلها بؤرة توتر بعيدة عن الأمان والاستقرار وتحرمها من ابسط حقوقها، من منطلق الحقد والشعور والانكسار أمام أمة أبت الرضوخ والخنوع، وهذا ببساطة يعطي للكورد الحق في مقاومة المحتلين بكل الوسائل المتاحة سواء أكان بالحوار عبر القنوات الدبلوماسية أو بالكفاح المسلح، والواجب على المجتمع الدولي (إن أمتلك المصداقية ويتبنى فعلياً شعاراته التي يرفعها ويروج لها وكان جاد في حماية حقوق الأمم) تقديم يد العون لحركات التحرر انطلاقاً من القرارات المنبثقة عن اجتماعاتها الدورية والتي تستند على العهود التي تضمن حماية الحقوق للشعوب كافة في العيش على أرضها التاريخية بأمان والدفاع عنها وتقديم الدعم والمساندة لها والأمة الكوردية واحدة من هذه الأمم.
الحقائق والوقائع عكس ذلك تماماً (في الحالة الكوردية فقط دون غيرها)
على سبيل المثال لا الحصر وبالمختصر، فقط أعطت عصبة الأمم ولاحقا الأمم المتحدة وميثاق حقوق الإنسان وبعض الأحلاف أو كما تسمى المعسكرات الحق للشعوب بمقارعة المغتصب لا بل في كثير من الأحيان دخلت معها بأحلاف استراتيجية ودعمتها مادياً ومعنوياً (التمويل والدعم اللوجستي) وعسكرياً إذا اقتضى الأمر، وقد تستخدم النقد الفيتو في بعض الأحيان لمنع إدانة شركائها. (الحركة الصهيونية التي عرفت بإسرائيل. .. العدوان الثلاثي على مصر .. الحرب الأوكرانية .. غزو العراق ..احتلال أفغانستان .. المقاومة الفلسطينية دعم وانفصال جنوب السودان .. حركة عدم الانحياز ..منظمة الوحدة الإفريقية للدفاع عن الشعوب المناضلة.. حلف بغداد .. حركات التحرر في أمريكا الجنوبية.. حركة الإخوان المسلمين في البلدان الإسلامية .. ووو )
كل هذه الحركات لاقت دعما ومساندة من الدول الكبرى كما تسمى حتى حققت البعض منها أهدافها. إلا أن الأمة الكوردية بقيت مستثنية لم يرد لها مجرد ذكر ولا وضعت في يوم من الأيام ضمن برنامج الأمم للتداول أو النقاش جديا، ولم تتلقَّ الحركات الكوردية أي دعم يذكر أو مساندة، وان تلقت بعض منه فهو لخلق البلبلة وخلط الأوراق وتعقيد الأمور أو للدفاع وإرباك العدو ليس إلا، وعلى الأغلب كانت عرضة الخذلان، وتتعرض دائما الخيانة وتنال خيبات الأمل ممن كانوا المفترض انهم أصدقاء، وكثيراً ما وأدت الثورات على أيدي هؤلاء.
وبقيت فكرة استقلال ووحدة الكورد هاجسا يقض مضاجع المجتمع الدولي رافضة حتى البحث فيه. وأكثر الثورات الكوردية التي قامت مطالبة بحقوق الكورد أخمدت وأبيدت بتدخل مباشر أو غير مباشر من دول كانت تعتبر حليفة، والأكثر خزيا ان دولة الجزائر في الستينيات اعتبرت قبلة الأحرار، وعاصمة الحركات التحررية، هذه الدولة التي احتوت كل المناضلين في سبيل حرية أوطانهم وتبنت أفكارهم ودعمتهم، وقفت في وجه القضية الكوردية وتآمرت، عقدت على اراضيها بمباركة وسعي من رئيسها وقتذاك هواري بومدين الذي سعى جاهدا لتحقيق المصالحة بين دولتي إيران والعراق، عمل على تقارب وجهات النظر بين الطرفين لنبذ الخلافات على حساب القضية الكوردية وثورتها، حيث ابرم بين الطرفين اتفاقية الجزائر المشؤومة، والتي بموجبها تنازل نائب الرئيس العراقي صدام حسين عن نصف شط العرب لإيران مقابل رفع الدعم عن الثورة الكوردية، وفيما بعد اندلع بين الجانبين حرب الثمان سنوات لاستعادة ما تنازل عنه صدام، وتستمر المقاطعة بينهما وتستفحل المعضلة أكثر وأكثر حتى امتدت لغزو الكويت والاحتلال، من ثم اندلاع حرب الخليج التي انتهت بإعدام الرئيس العراقي وإطلاق يد النظام الإيراني لتتلاعب بمصير العراق، ويكون لها سطو ويد طولة في الشرق الأوسط وأكثر الدول التي تتسبب بخلق بؤر التوتر حول العالم، وأكثر دول العالم أيدت مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي بغض النظر عن دوافعها ومصالحها إلا أنها من خلال الدعم شرعنت حقها في الدفاع ليس هذا فقط بل اعترفت بها كدولة وقبلتها كعضو في هيئاتها بعد الاتفاقيات التي اقتسمت بموجبها فلسطين إلى دولتين وفق اتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين، رغم ذلك لا تزال حالة التناحر مستمرة بين الجانبين ولكن لا فصائل المقاومة ولا قوات الجيش الإسرائيلي أدرجت تحت لائحة الإرهاب، ونادرا جدا يتم استنكار بعض الأعمال من طرفي النزاع على سبيل رفع العتب.
بالأمس القريب أصيب الكورد بخيبة بعد الاستفتاء عندما خُذلوا من الغرب، الذي شجع على الاستفتاء ظناً منهم أن الكورد لن يطالبوا بالاستقلال، وبعد اطلاعهم على الإقبال المقطع النظير ونسبة المصوتين ارتعدت فرائضهم، مما دفعهم لأخذ جانب الحياد وترك الإقليم لقمة بين فكي الحاقدين.
لاحقت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس الشيخ البارزاني واعتقلته، وأعدمته، وقضت على ثورته ليس لشيء سوى انه كوردي، الكورد في معتقدهم عدوهم الاشرس.
تركيا العثمانية الطورانية أخمدت العديد من ثورات الكورد، وارتكبت افظع الجرائم بحق الشعب الكوردي، دمرت القرى واحترقت الأرض في محاولة لطمث الهوية (ديرسم ..شيخ سعيد .. اكري ..ووووو..)
ولاتزال ترتكب الجرائم على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، أولى جرائمها في سوريا بحق الكورد السوريين كانت في نهاية التسعينات من القرن التاسع عشر عندما تجاوزت الأعراف واقتحمت الحدود ودخلت لترتكب مجزرة على الأراضي السورية بحق عائلة ( كاب رش )، واحدث جرائمها وليس آخرها احتلال عفرين واستباحة حرمة المناطق الكوردية في سوريا.
أقدم نظام شاه إيران وبدعم مباشر من روسيا الشيوعية في فترة حكم الدموي المقبور ستالين على إسقاط جمهورية كوردستان، التي اتخذت مدينة مهاباد عاصمة لها، وأعدمت رئيسها القاضي محمد وقيادة الجمهورية في ساحة جارجرا. التي شهدت ولادة الجمهورية الفتية، وسار نظام الملالي على نهجه حيث قامت وتقوم بشكل يومي باعتقال وإعدام الشباب الكورد، وارتكاب الجرائم بحق الكورد تضيف إلى سجلها الإجرامي جرائم أكثر بشاعة من بشاعتهم.
ناهيك عن الابادات التي تجاوزت السبعين بحق الايزيديين وتحت العديد من المسميات وبمبررات واهية.
إن تحدثنا وعددنا ما تعرض ويتعرض له الكورد على أيدي الطغاة كل ورق وحبر العالم لن يكفي لتدوين جزء من جرائمهم. رغم كل الدسائس والمؤامرات التي حيكت (ربما يرى الكثيرين اننا نبالغ)، لكن الكورد حققوا انتصاراتهم وحافظوا على هويتهم وظلوا مسالمين يدافعون عن أنفسهم، ويبعدون عن شعبهم الأذى دون الاعتداء على حقوق أي شعب، ولم تسمح لهم أخلاقهم ان يتعاملوا مع الآخرين بالمثل، وظلوا هم ذاتهم الشجعان الذين لا يهزمون، والكورد أصحاب مبادئ وقيم.