من وراء زرع الكراهية بين الشعوب؟
صالح محمود
كان من تداعيات اجتياح صدام حسين للكويت كرْهُ الكويتيين لجيرانهم العراقيين، والتعامل معهم من زاوية الريبة والشكّ وفقدان الثقة، وحين دخل النظام السوري لبنان في ثمانينيات القرن الماضي ارتكبت قواته الفظائع، فلم تترك فعلاً قذراً أو شائناً إلا وارتكبته هناك؛ من نهب وسرقة واغتصاب وكلّ أشكال القهر والتعدّي، وقد أدّتْ هذه الممارسات إلى كره اللبنانيين لكلّ ما هو سوري وليس فقط الجيش.
لقد ضاق اللبنانيون ذرعاً بالسوريين وحقدوا عليهم حقداً شديداً من وراء ذلك، وهم اليوم ينتهزون كلّ فرصة تمكّنهم من النيل من السوريين والانتقام لأنفسهم، ولعلّ مشاكل اللاجئين السوريين في لبنان التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى والمعاملة السيئة التي يتلقاها السوريون في نقاط العبور اللبنانية هي خير مثال على هذا الانتقام، وانعكاس ونتيجة للتدخل السوري السافر سابقاً في لبنان .
في الآونة الأخيرة دخل الجيش التركي إلى سوريا واحتلّ مدناً في شمال سوريا، وسلّم إدارتها لمليشيات مرتزقة نهبت الأهالي وقتلتهم وهجّرتهم، وعاثت فساداً، فكرهَ السوريون تركيا والأتراك من وراء هذه التصرفات الرعناء.
كان الأمر سيبدو أهون بكثير لو أنّ تركيا ضمّتْ المدن الكردية رأس العين وتل أبيض وعفرين إلى الدولة التركيّة حين احتلّتها، ولكنّها لم تفعل ذلك؛ بل سلّمتها لمرتزقة إسلاميين لا صلة لهم بمفهوم الدولة وحقوق الإنسان.
إن هذه المدن كانت في أحسن الأحوال فيما مضى بحكم شبه محتلة، فلو استبدل باحتلال احتلال أفضل للاقى الأمر قبولاً أكثر، لكن مع الأسف لم يحدث شيء من هذا، لقد أراد أردوغان أن يذلّ الكرد في هذه المناطق وكان منطقه منطق عدوُ يتشفّى من عدوه ليس غير.
بوتين اجتاح أوكرانيا وجعل الروس مكروهين من العالم كله وليس الأوكرانيين فقط والصورة الجميلة لروسيا التي تركها تولستوي ودوستوفسكي وبوشكين وتشيخوف وغوركي وغيرهم من الأدباء الروس مسحها بوتين في لحظة واحدة، وأظهر الوجه القبيح لروسيا ورسّخ لدى العالم كلّه أنّ العقلية الروسية هي عقلية الدّب، هذا إن كان للدّب عقلٌ!
لماذا تقدّم الأنظمة على مثل هذه الأمور؟ ألا توجد طرق أخرى بديلة للتعامل بين الدول تكون أقرب إلى الحضارة والرقي واحترام الآخر؟ أم أن الأنظمة السياسية تضيق بها السبل وتغلق في وجهها الأبواب فتلجأ إلى مثل هذه السياسات العنيفة والقذرة؟
هل كان صدام حسين حقاً بحاجة لأن يجتاح الكويت ويغزوها بهذه الطريقة العنيفة والمخزية؟ والذي أدّى الى زوال حكمه وزواله هو أيضاً، وهل كان اردوغان بحاجة إلى كل هذه التدخلات في دول مثل سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا وأذربيجان؟ وهل أضاف بهذه التدخلات مجداً جديداً إلى تركيا؟
كذلك الأمر بالنسبة إلى ايران، فسياستها تقوم على التدخل في شؤون العالم تحت يافطة تصدير الثورة لذلك يدخل في نسيج سياستها التدخل في الشؤون الداخلية للدول وخاصة المجاورة لها، فدمّرت العراق واليمن ولبنان وسوريا بسياساتها التشيّعيّة القذرة، ألا يحسب النظام الإيراني وغيره من الأنظمة حساباً لرغبات الشعوب وطموحاتها ومشاعر الرفض لديها لأي تدخل أو احتلال؟ ألا تحسب هذه الأنظمة حساباً لردود الأفعال التي ستصدر من هذه الشعوب؟ أم أن قهر الشعوب الأخرى هو أحد سمات هذه الأنظمة؟ ولكن هذا المقياس قد لا ينطبق على الأنظمة كلّها، ولعلّ الأنظمة الديكتاتورية وحدها تخلق هذا النوع من الكراهية، فنحن نعلم أنّ فرنسا- على سبيل المثال- كانت دولة منتدبة في سوريا ولبنان والجزائر وتونس، ولكنها تركت علاقة ودّ وصداقة بينها وبين شعوب هذه البلدان، وكذلك الأمر بالنسبة للإنكليز فقد كان الإنكليز والمصريون والعراقيون والأردنيون أصدقاء متعاونين وما زالوا كذلك، أمّا إيطاليا التي احتلّت ليبيا سابقاً فقد أصبحت الصديقة الأولى لليبيا في أوروبا وهناك علاقة قوية ومتينة بين الدولتين.
على أنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ بل تعدّى ذلك بكثير، حيث تمنّت بعض الشعوب وبعد مضي أكثر من سبعين عاماً على استقلالها أن تعود مثل هذه الانتدابات إلى المنطقة لأن الأنظمة العربية التي حلت محل الانتدابات الأجنبية لم تقدم شيئاً جديداً أو أفضل لهذه الشعوب التي كانت أحسن حالاً أيام الانتداب، فالأنظمة الديكتاتورية عندما تتدخل في بلدان العالم تتذمر منها الشعوب وتنتابها حمّى الرفض والتمرد، أما الأنظمة الديمقراطية حتى لو احتلّت بلداناً واستعمرتها فهي تترك آثاراً جميلة وتترك مساحات للودّ، لماذا يا ترى؟ المثل الشعبي يقول :"كل إناء ينضح بما فيه " فالأنظمة الديمقراطية حتى لو كانت محتلة فإنها تحمل بعض الجينات الإيجابية، وبعض الخير الذي يصيب الشعوب التي تحتلها، فلا أحد يستطيع أن ينكر أنّ مصر وحضارتها وأسس النهضة فيها قد وضعها نابليون، وكلّ التنمية الحاصلة فيها بعد ذلك يعود الفضل الأول فيها إلى الفرنسيين، وكذلك الأمر في سوريا فمدينة دمشق مثلاً مازالت المعالم الجميلة والبنى التحتية فيها هي التي وضعها الفرنسيون، وكل الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في سوريا بعد رحيل فرنسا لم تقدم ما قدمته حكومة الانتداب من خدمات للبلد ،ليس فقط على صعيد الإعمار وشق الطرق، لقد تعدّتها إلى مجالات أخرى تتعلق بالحريات والتعليم ومستويات جيدة ومقبولة من الديمقراطية، فالبرلمان السوري أيام الفرنسيين كان أكثر فعالية من البرلمان الحالي، وكان النواب فيه ممثلين حقيقيين للشعب لأنهم وصلوا إلى البرلمان نتيجة انتخابات حرة ونزيهة، وليست شكلية كما هو الحال في الوقت الراهن، فهل نترحّم على المستعمر الإنكليزي الذي مدّ خطوط الحديد بين مصر والسودان لتكون هي مع مصر ثاني أكبر دولة بعد بريطانيا تتمتع بهذه الخدمة ؟! إنّ البنية التحتية التي أنشأها الإنكليز هي التي تعمل حتى الآن والمضحك أن بعض الشوارع في الخرطوم كانت تغسل بالماء والصابون أيام الإنكليز.
إنّ جميع مؤسسات الدولة في ظلّ أيّ نظام ديكتاتوري هي مؤسسات شكلية ولا تمتلك أيّة سلطة أو صلاحيات، لأنّ السلطة الحقيقية هي في يد الأجهزة الأمنية والتي تُعدّ اليد الضاربة لأيّ نظام ديكتاتوري، وهي السلطة الفعلية الأولى في البلاد، وباقي المؤسسات هي عبارة عن واجهات، الغاية من وجودها هي إضفاء صبغة شرعية على النظام أمام العالم ,أما فعلياً فهو لا يؤمن بوجودها وأهميتها على الإطلاق، فالأنظمة وحدها تتحمل قضية كراهية الشعوب بعضها بعضاً وهي السبب في خلق صراعات بين الشعوب والأمم، ولولا الأنظمة لكان البشر أخوة مسالمين ومتحابّين على الدوام.