أستانا والحلول غير المجدية
لقمان يوسف
مرّ أكثر من عقد من الزمن على بدء الأحداث في سوريا، أو الثورة السورية كما يحلو للبعض وما زال الوضع على ما هو، بل من السيئ إلى الأسوأ.
مع اندلاع الأحداث بدأ الناشطون وعناصر من الجيش وعدد من الشخصيات بتشكيل هيكليات مواكبة للأحداث إلى جانب التحركات الإقليمية والدولية بما يتناسب مع أجنداتها ومصالحها، مبررة بذلك وقوفها إلى جانب الشعب السوري ودرءاً للمخاطر والفوضى العارمة التي قد تحدث مستقبلاً.
كل التوقعات من قبل المعارضة لم تكن في مكانها، فالنظام لم يسقط خلال ستة أشهر، والجيش لم يقف مع تطلعات الشعب، والأنكى من هذا وذاك أجندات الدول الإقليمية والدولية وحتى البعض من الدول العربية توضحت فيما بعد، بأنها فقط تبحث عن مصالحها وكيفية حصولها على حصتها من الكعكة السورية.
ما يحَزّ في النفس هو أن المعارضة التي نصبت نفسها كممثل للشعب السوري إرتهنت للدول التي لم تكن ترغب بالأساس مساعدة الشعب السوري لنيل حقوقه والوصول إلى دولة حضارية تصان فيها حقوق الإنسان، والتخلُّص من القبضة الأمنية، وأن يعيش فيها كل فرد وكرامته مصانة وينعم بالحرية.
لقد أصبحت المعارضة السورية من خلال بعض أطيافها أداة طيعة في أيدي تلك الدول، وسرعان ما اتجهت هي الأخرى في البحث عن مصالحها وتغيرت مواقفها بحسب مقدار المال السياسي الذي يقدم لها، وبذلك تركت الشعب السوري لمصيره، واللوحة ماثلة أمام العيان.
باختراقها للمعارضة السورية والسيطرة عليها، اتجه العديد من هذه الدول بتشكيل تحالفاتها البينية والبدء بتنفيذ مخططاتها المسبقة الصنع بشكل عملي، وذلك من تأسيس ميليشيات إرهابية متطرفة، وتقديم كل ما تريدها هذه الميليشيات من أسلحة وأموال شريطة العمل بموجب ما يُملى عليها من إملاءات وأن تتحرك مثلما يرسم لها. أما نظرياً ومنذ اندلاع الأحداث وحتى تاريخه فأغلب التحركات من قبل هذه الدول هي شكلية ولا تتعدى الإطار التكتيكي.
فقد اتجهت هذه الدول إلى المنظمات الدولية والأمم المتحدة من أجل إصدار بعض القرارات المتعلقة بالحل في سوريا، مثل القرار رقم 2254 وتعيين ممثلين من الأمم المتحدة للمتابعة، ولكن مع وقف التنفيذ لحين تأمين وتحقيق مصالح ومطامع تلك الدول المعنية بالوضع السوري.
لذلك، الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات من قبل هذه الدول أصبحت ماراثونية دون أي اختراق للحل الذي يصبو إليه الشعب السوري أو يصب في مصلحته!.
لقد كثرت اللقاءات والمؤتمرات منذ بداية الأحداث حتى تجاوزت في عددها عدد التنظيمات الميليشياوية على الساحة السورية، ان لم نقل بعدد الأحزاب والتنظيمات الكوردية في كوردستان سوريا، وكان آخرها لقاء الآستانا بين كل من روسيا وإيران وتركيا وسوريا والتي لم تتمخض عن أية نتيجة مرجوة وذلك بحسب اليبان الختامي الذي صدر بنهاية اللقاء، هذا البيان الذي لم يشر في طياته سوى آلية التطبيع بين سوريا وتركيا والعمل على إغلاق جميع الأبواب بوجه طموحات الشعب الكوردي في سوريا ومنعه من الحصول على حقوقه المشروعة بأي شكل من الأشكال.
مقابل ذلك فالتحشدات العسكرية من قبل تركيا على الحدود الشمالية لسوريا مستمرة، بالإضافة إلى طائرات الدرون التي تقصف بشكل شبه يومي لتغتال من تريد، عدا القصف المدفعي المستمر للقرى والمناطق الحدودية، وقد ازدادت هذه العمليات بشكل ملموس في الآونة الأخيرة وخاصة بعد فوز اردوغان في الانتخابات الرئاسية مؤخراً.
إلى جانب التحشدات والعمليات العسكرية التركية فهناك تحشدات ملفتة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وحسب وسائل الإعلام فان أمريكا استقدمت طائرات حربية حديثة جداً إلى المنطقة ودفاعات جوية نصبت من قبلها في المناطق التي تسيطر عليها قسد وذلك تحسباً لأي طارئٍ قد يحدث.
من خلال كل ما سبق يتبين وبشكل جلي بأن جميع التحركات التي تحدث لا تتخطى مصالح الدول المعنية بالوضع الاستثنائي في سوريا، والكل هدفه استغلال مآسي الشعب السوري لمصلحته، هذا الشعب الذي تشتت وعانى وما يزال يعاني من جميع أنواع العذاب والاضطهاد، والذي يزيد من محنته إبتلائه بشبه معارضة تتاجر بدماء أبنائه وكرامته دون أي وازعٍ أو ضمير.