أزمة العقل الجمعي الكُردي

أزمة العقل الجمعي الكُردي

محمد رجب رشيد

قد يبدو العنوان بسيطًا ومألوفًا، إلّا أنّه يحمل في طيّاته تعقيدات لا حصر لها، ولا يُستهان بها، خاصةً والدولة الكُردية غير قائمة رغم توفُّر جميع مقوِّماتها، وكوردستان مجزأة بين أربع دول إقليمية ذات أنظمة شمولية، الأمر الذي جعل القضية الكُردية شديدة التعقيد، في مواجهة العديد من التحدّيات والأزمات، أهمها على الإطلاق أزمة العقل الجمعي الكُردي.
قد يعتقد أحدنا -خِلافًا للحقيقة والواقِع- أنّ الشعب الكُردي وحده يعاني من الأزمات، فالأزمات قديمة قِدم الإنسان، لم تسلمْ منها بقعة من بِقاع الأرض، تعصِف هنا وهناك بين الحين والآخر، الفارِق يكمن في كيفية التعامل معها. لو تعقبنا واقع الشعوب المحيطة بنا، أو المجتمعات المتعاقبة خلال التاريخ لوجدنا جميعها فقد عانت من الأزمات بمختلف أنواعها. فالأزمة تُشير إلى مجموعة من المتغيّرات تشهدها الأفراد أو المجتمعات أو الشعوب، تخلق حالة عدم استقرار غير مألوفة، وغالبًا ما تستبطِن بوادر أزمات لاحِقة متتالية في حال عدم التغلُّب عليها وتجاوزها، فالتغيير سِمةٌ من سِمات الوجود والحياة، وغالبًا ما تصاحبه الأزمات.
يصِف المفكِّر الإسلامي محمد شحرور العقل العربي بالعقل القياسي العاجز عن إنتاج المعرفة لأنّه يقيس كُل جديد بِمسطرة -فقه التراث- قبل قبوله أو رفضه. أمّا مجتمعات الدول الغربية فهي الأخرى لديها أزمات خطيرة، أبرزها المثليّة وفرط الروابِط الأُسرية، مِمّا يزيد من مخاوف علماء الاجتماع هناك على مستقبل الأجيال القادمة.
والآن ماذا عن الأزمات التي يعاني منها الشعب الكُردي؟ إنّها أزمات من نوعية مختلفة تمامًا، لا تشبه أزمات الشعوب الأخرى، وما يُصدق على الشعوب الأخرى في هذا الصدد لا يُصدق عليه، وعلى هذا النحو يمكن تجنُّب التشكيك في الاحتكام إلى العقل الذي هو أحوج ما يكون إليه في المرحلة الراهِنة من تاريخه، والابتعاد بنفس الوقت عن العقلانية المُطلقة قدر الإمكان.
على الرغم من كَون الإنسان كائناً عاقلاً، ولكنّه ليس عقلانيًا بالمُطلق في كافة الأحوال وفي جميع الأمور، وإلّا لأمكننا إقناع أي شخص بترك عقيدة خاطئة، أو الابتعاد عن كل ما يؤذي الأفراد والمجتمعات، عندئذ كان الشرُّ سيختفي تمامًا، ولكِنّ الواقع غير ذلك، الشرُّ باقٍ ما بقي الإنسان، والإنسان بطبعه ينحاز إلى ما تربّى عليه، وما يؤمن به، ويحقِّق مصالحه الشخصية، بغضِّ النظر عن كونِه على صواب أو على خطأ.
إذا كان العقل مركز الفِكر والمشاعِر والعواطِف واتخاذ القرارات، فلا بُدّ أن يتأثّر بالأزمات، ويُؤثِّر عليها، مِمّا يعني وجود علاقة عكسية بينهما، فالأزمة تزداد وتيرتها مع غياب العقل، وتتراجع مع حضوره، والمقصود بالعقل هنا هو الأفكار وطريقة التفكير.
أعتقد جازِمًا أنّ أزمة العقل الجمعي الكُردي تعود بالدرجة الأولى إلى غياب الدولة الكُردية، مِمّا يعني أنّها ليست وليدة اللحظة، بل قديمة ومتجذِّرة في الأعماق، وفي جوهرِها هي أزمة مُركّبة من شقين، الشقُّ الأول أزمة نفسية تتّسِم بالدونية وعُقدة النقص تجاه الآخرين والإفراط في جَلد الذات لإرضائهم، وإلّا ما الهدف من طرح مفاهيم غريبة لم تخطُر على بال الفلاسفة؟ كمفهوم الأمة الديموقراطية الذي تمّ طرحه مُنذ سنوات ليكون بديلًا عن الأمّة الكُردية، ثم ما الفرق بين مَن أنكر وجود كوردستان سوريا، واعتبر أبناؤها وافدين مِن تركيا؟ ومَن قال قبل الغزو التركي لمنطقة عفرين: (نسبة الكُرد في منطقة عفرين لا تتجاوز الخمسين بالمائة من سكانها؟). وما الفرق بين مَن يحتلُّ منطقة عفرين ويبني فيها الوحدات السكنية للمرتزقة الغُرباء، ومَن يُجمَّل الاحتلال ويُنكِر التغيير الديمغرافي القائم فيها على قدمٍ وساقٍ، ولا يخجل من تبرير الجرائم المنظّمة المُرتكبة بحق أبنائها، هذا ما يحدُث الآن، أمّا قديمًا فعندما كانت تتمرّد إمارة كُردية على السلطنة العثمانية، كان السلطان العثماني يكلِّف إمارة كُردية أخرى بتأديبها وإعادتها إلى بيت الطاعة. ويُذكر أنّ وفدًا من وجهاء منطقة عفرين التقى بالحاكِم العسكري أثناء الانتداب الفرنسي على سوريا، وطلب منه مساعدة الشعب الكُردي في قيام كيان خاص به نظرًا لكونه شعباً مختلفاً عن الشعب العربي ويعيش على أرضه. كان ردُّ الحاكِم العسكري صادِمًا! حيث قال: (أنتم منذ القِدم لم تعملوا لأنفسكم، والآن لن يكون لكم ما تطلبون).
أمّا الشقُّ الثاني من أزمة العقل الجمعي الكُردي فهو أزمة تخلُّف فكري، تتّسِم بِتجاهل حقيقة أنّ ما يجمع الشعب الكُردي أكبر بكثير مِمّا يُفرِّقه ويُمزِّقه، ليس هذا فحسب بل إنّ الانقسام الحاد بين مختلف التيارات والأحزاب هو سيّد الموقف من أبسط الأمور إلى الهدف النهائي للشعب الكُردي، حيث يدّعي كُل تيار أو حزب امتلاك الحقيقة المطلقة لِوحده، واتّهام خصومه بالخيانة، وبالتالي لا مجال للحوار والتفاهم معهم، بينما التفاهم مع الآخرين يتِمُّ بسهولة ويُسر ولا مانع من تقديم بعض التنازلات.
هكذا تضيع البوصلة وتُشتَّت الجهود، وتُهدر دماء الشباب من أجل مشاريع الآخرين الذين لا يؤمنون أصلًا بالأمة الديمقراطية، ولا يعترفون بالقضية الكُردية، ولا بِالشعب الكُردي الذي يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، الأمر الذي يؤكِّد المقولة القديمة الجديدة: (ما يكسبه الكُرد في ساحات المعارك يخسرونه على طاولة المفاوضات)، هذه المقولة قد تفسِّر معادلة حديثة غير منطقية طرفها الأول دحر الإرهاب وهزيمته، وطرفها الثاني البقاء على لائحة الإرهاب الأمريكية.
الأزمة بشكل عام قد تكون سببًا أو نتيجةً، إلّا في الحالة الكُردية فهي سبب ونتيجة بنفس الوقت، هي إحدى أسباب عدم وجود دولة كُردية، وبنفس الوقت هي نتيجة من نتائج غياب تلك الدولة. وتتّسِم بطول مدّتها وعدم سلبيتها بالمطلق، بل قد تحمل معها بعض الإيجابيات، مِمّا يفرض التعايش معها وإدارتها بعقلانية محدودة دون الإفراط فيها، والاستفادة من دروسها قدر الإمكان. هنا يأتي دور العقل في تحريك الأذهان وتحفيز الإبداع وتمهيد الطريق لمرحلة جديدة أفضل من سابقتها، والمساهمة في إيجاد مدخل لتغيير هام في المنطقة أو العالم يمكن استغلاله فيما بعد لصالح القضية الكُردية.
أخشى ما أخشاه أنْ تبقى أزمة العقل الجمعي الكُردي في مرحلتها السلبية دون أن تهتدي إلى وسيلة تعينه على تجاوز ذاتها، أو أنْ تُؤدي إلى مرحلة أخرى تبدو في ظاهرها إيجابية، كتجربة الإدارة الذاتية الحالية، والتي لم ترتقِ إلى مستوى طموح الشعب وتلبيّة متطلبات المرحلة، وعجزت عن انتزاع اعتراف أي دولة بها. إنّ مِثلَ هذه الإشكاليات قد تُفاقِم مِن أزمة العقل الجمعي الكُردي، فتصِل بها الحال إلى أمراض عقلية لا شفاء منها. ولكن ما يُبدِّد مخاوفي تلك، هو نجاح تجربة إقليم كُردستان، والتي بدأت بعد أزمة حرب الخليج الثانية وصولًا إلى الاعتراف بالحكم الذاتي لإقليم كوردستان في الدستور العراقى بعد سقوط نظام صدام حسين. حقًا إنّها تجربة قابِلة للمضي بها نحو الاستقلال.