راهبات قنديل
عبدالكريم عمر الخيركي
كثيرات منهن قُتلنَ، ولا تعرف أمهاتهن أين ومتى قتلن؟؟ ومنهن ما زلن أحياء يعشن حياة أشبه ما تكون بحياة الراهبات. فحين ستشيخ تلك النسوة، حين لن تكون هناك حروب حتى تتحقق أولئك المقاتلات عن بنادقهن وشجاعتهن. حين لن يكون ممكناً للتاريخ ان يجد البراهين الحقيقية أو القوى الخفية خلف الهلوسات الأيديولوجية التي تربوا عليها، حين لن يكون في الحياة إلا ذاكرة مليئة بالدماء، وحين يكون الواقع قد برهن على أنه لا وجود للنظرية، أو على زيف النظرية إن وجدت، حينها لن يكون هناك مقياس لحجم الألم.
لا أقصد فيما أقوله أن انتقص من قيمة أحد، سواء كان هذا الأحد راهبة دير اختارت أن تعزل نفسها من إغراءات الدنيا، كي يكون سهلاً عليها الاقتراب من الله، أو أن تكون واحدة من هؤلاء النسوة اللاتي، إما اخترن بحريتهن الرهبنة الثورية والعيش في مغاير جبال كوردستان وبراريها. أو اللائي أجبرن على اختيار ذلك النوع من الحياة، إما عبر التهديد المباشر، أو التغرير بهن عبر ممارسة قدر هائل من وسائل سلب الإرادة والإرهاب النفسي أو الإغراء الأيديولوجي الكاذب، وهن ما زلن في عمر الطفولة.
ما هو جلي فإن التربية الأيديولوجية للمرأة الآبوجية تقوم على الانقطاع التام عن العلاقات الاجتماعية ومعاداتها. والهدف من ذلك هو خلق بنية نفسية وذهنية تعارض المشاعر الأولية لشخصية الإنسان وتكوينه التاريخي. وتبديل القنوات الطبيعية لإنشاء العلاقات الاجتماعية بأخرى مصطنعة، عنيفة قاسية وبدائية. فالحاجة إلى العلاقات الاجتماعية والحاجة إلى التكاثر هي من الحاجات الأساسية للإنسان الفرد في إطار علاقته بالعائلة والقبيلة والأمة.
العائلة عند الأمة الكوردستانية، مثلها مثل أغلب أمم العالم، على الأقل فيما هو مثبت تاريخياً، تتمتع بدور أساسي في تكوين بنية المجتمع. فريدريك إنجلز، شريك كارل ماركس في صياغة البيان الشيوعي، وصاحب كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة الشهير، يعتبر العائلة بشكلها التاريخي هي نتاج التطور الطبيعي للإنسان خلال العصور. أما عبد الله أوجلان، الذي يبدو أنه متأثر بأفكار أنجلز بهذا الخصوص، فإنه يقف من العائلة الحالية موقف العداء الصارم، ويعتبر أن المرأة في إطار العائلة الحالية تعيش أحرج فترات تاريخها، من حيث هي أول وآخر مستعمرة يجب تحريرها (عبد الله أوجلان – القضايا الاجتماعية ص 66).
غياب الحرية الفكرية
أعرف أنه من الصعوبة بمكان أن يتأثر المنتمون إلى مثل تلك التنظيمات بالتنوير وصفاء الحقائق من خارج أسوارها. التجربة تؤكد أن المنتمين إلى هكذا تنظيمات غير قابلين لسماع الأصوات الآتية من خارجها. هم بكلّ بساطة مسلوبو الإرادة، لا يسمعون إلا ذاك الرتم المخيف. الرتم الذي يمزج الوعود بالجنة الزائفة، إن هم كانوا مخلصين للخط العام لذاك التنظيم أو الهيكل أو المجمع أو الكنيس، بالتهديد بالموت وبأبشع صورة أن هم خالفوا التعليمات الصادرة من المجمع السري الذي يدير تلك التنظيمات ويصدر الأحكام والأوامر.
إن حياة المرأة الكردستانية في صفوف الحزب العمال الكردستاني ومشتقاته كثيرة الشبه في ظاهرها بحياة الراهبات، رعايا المنظمات الدينية الغامضة والمغلقة. حياتهن في ظاهرها محاطة بكثير من مظاهر التقشف والقسوة على الصعيد الشخصي. أما باطن هذه الحيوات وجوهرها، لا يزال من الأمور المحاطة بالغموض والسرية التامة.
ولأنهن لم يجدن الفرصة والحرية الكافية على الجرأة في تدوين سيرهن. ولأننا نفتقد إلى أي شاهد على تلك السير وأي مرجع علمي لوجود أي تصور ذهني محدد. والأشخاص الذين تجرؤوا على أن يكونوا شهودًا إما قتلوا من قبل الحزب نفسه، وبأمرٍ من عبد أوجلان نفسه. أو أنهم أجبروا على السكوت. أوامر والإعدام والتصفيات في مثل هذه التنظيمات تصدر من مراكز القرار فيها، وغالباً من قيادات الصف الأول.
الافتقاد لأي فكر نسوي أنتجته النساء أنفسهن
كما أننا نفتقد إلى أي منتوج فكري مكتوب تعبر فيه هذه الشريحة من النسوة الكردستانية عن ذاتها، وعن تصوراتها للعلاقات الاجتماعية، سواء في إطار كيان الأمة الديمقراطية المنشودة، أو في إطار الأمة الكردستانية والواقع السياسي والاجتماعي الكردستاني التاريخي. وكما أسلفت في القسم السابق من هذه الدراسة فإن أفكار عبد الله أوجلان، التي تعد المرجع الأيديولوجي والفكري المفترض لهؤلاء النسوة تفتقر هي أيضاً إلى أي وضوح في هذا المجال.
كُرد سوريا .. التجربة الفاشلة
يضاف إلى كل ذلك فإن التجربة السياسية والمجتمعية الوحيدة لحكم أنصار الذهنية الآپوجية كانت في كردستان سوريا. إن هذه التجربة، وخلال ما يقارب عقد من الزمن، لم تفرز أية مؤشرات عملية على وجود خرق ثوري لما هو سائد تاريخي. وأريد أن أقول هنا ومنذ البدء: على أنه ليس هناك وجود واقعي للخروقات الثورية، ولا وجود، حسب قناعتي لما يمكن تسميتها بالتطور القطعي غير التدريجي في إطار العلاقات الاجتماعية. إذ إن التطور الاجتماعي للإنسان الفرد أو للمجتمعات يرافقه دائمًا تفاعل معقد وواسع بين مجموعة هائلة من العوامل المادية، الذهنية والنفسية. وهذا التفاعل بعيد جداً من الادعاءات والآمال أن التغيير الثوري في أفكار الإنسان ووجوده أمر واقعي وممكن. كما أن الادعاء أن عبد الله أوجلان قد أتى بما لم يأت به أحد هو نكران لمنطق التاريخ، وهروب غير ذي هدف صوب الوهم الأقرب إلى الهلوسة الفكرية والأيديولوجية.
غياب دور المجتمع
بكل وضوح، المرأة الآبوجية، تفتقر إلى أية رؤية فكرية ذاتية لوجودها الحالي أو المستقبلي، كما أن الطمأنينة أن القائد عبد الله أوجلان قد مّهد طريق خلاصهن في فلسفته العتيدة هو أيضاً ضرب من الوهم الأيديولوجي لا أساس له من الصحة. يضاف إلى ذلك فإن وجودهن ضمن تنظيم سياسي وعسكري مغلق على ذاته، غير خاضع لمراقبة المجتمع، غير متصالح مع التطور التاريخي للمجتمع، غير آبه بالقيم الأخلاقية والنفسية للمجتمع. كل هذا يخضع المرأة الآبوجية لقيم اجتماعية تفتقر إلى أي مضمون لها صلة بالبنية النفسية، الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الكردستاني.
يضاف إلى ذلك هو فقدان أي دور للمجتمع سواء في سلوك تلك النسوة أو في تطور البنية السوسيولوجية والنفسية لهن. المجتمع، المتآلف في حقيقته عن الأفراد الذين يعد مصالحهم وتطورهم هو الغاية الأساسية من كل عمل ثوري، غائب تماماً عن مراقبة، أو المساهمة في تطور شخصية هؤلاء النسوة.