السياسة البائسة. .. وسياسة البائسين؟
علي مسلم
يخال للمهتم بالشأن السوري، أن السياج الإقليمي المُحاط بسوريا، ولاسيما المحيط العربي منه، قد أصيب بأنفلونزا السياسة، وقد بدأ ملامح ذلك بالظهور على أثر التهافت العربي نحو احتواء نظام الأسد بأي ثمن، ودون شروط، وبالتالي تقديم كلّ الضرورات الممكنة لتلك المنظومة بغية تعويمها وإنقاذها من براثن الحشد الصفوي ما أمكن.
فالتبعات السياسية المرافقة للولوج الإيراني في الشأن السوري لم تكن غائبة عن مدارك مجاميع العرب من المحيط الى الخليج، لكنهم ربما لم يكونوا في وارد فهمها كما ينبغي، فدائماً النتائج تأتي وفق اقتدار المقدمات، وقد كانت المقدمات الإيرانية جديرة أن تكون حاضرة بقوة في رسم ملامح ما نحن عليه الآن، وقد استحوذت إيران كما رأينا على أثمن النتائج، وهذا ما شكّل عائقاً حقيقياً أمام حزمة الحلول السياسية المطروحة، فلا الجهود الغربية الأوربية منها أو الأمريكية التي بذلت في قمم جنيف العديدة قد أثمرت، ولا الجهود التي رعتها، وما زالت ترعاها روسيا وحلفاؤها في سوتشي وغيرها سوف تثمر، فقط إيران ما زالت مُرشّحة لحصد النتائج وحدها، ولاسيما بعد انخراط روسيا في حربها البربرية ضد أوكرانيا، وهذا ما أثار حفيظة الجيران من غير العرب في غرب سوريا وشمالها، وقد يكون اللجوء إلى البند السابع الأممي مخرجاً نهائياً لتصفية الحسابات الغربية مع نظام الأسد وربيبته إيران، أما من جانب المبررات المطلوبة فهي موفورة على الدوام، وهي بحكم المؤجلة، أو المسكوت عنها، منها على سبيل المثال قرار مجلس الأمن رقم 2118، المُتّخذ بالإجماع في 27 أيلول عام 2013، بشأن نزع السلاح الكيماوي السوري، على خلفية المجزرة التي ارتكبها النظام السوري في الغوطة الشرقية عام 2013 ، وتالياً قانون سيزر، وقانون الكبتاغون، وقد يكون ذلك مقدمة لضربة عسكرية على غرار ما حصل لنظام صدام حسين عام 2003، وهذا ما لا تحبذه الأنظمة العربية، على اعتبار أن ذلك سيفتح الأبواب على المزيد من المشاكل اللوجستية، بما في ذلك إعادة ترسيم حدود بعض الدول، لهذا عقدوا العزم أن يحتضنوا صبيهم المدلل مرة أخرى، وكانت المقدمة في إعادته إلى جامعة الدول العربية، والمبادرة المباشرة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، ظناً منهم أن هذه الخطوة البائسة ستشكّل مخرجاً من الورطة السياسية التي أوقعوا أنفسهم فيها، وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد فتحت الأبواب واسعة أمام جملة من المتغيّرات العميقة في التكوين السياسي العربي القائم، فإن الولوج الإيراني في ذات التكوين قد يُمحي ما تبقّى من ملامح عربية في كل أرجاء شرق المتوسط.
الحلول السطحية البائسة لم تعد مجدية، وربما تتجاوز الأحداث المتسارعة كلّ البائسين الذين مازالوا يتربّعون على عرش السياسة في شرقنا الحبيب.