أصوات من عفرين... شهادات ترويها نساؤها بعد الزلزال
ماريا عباس
كان الصمت والحزن والكآبة في الأيام الأولى تمضغنا بأسنانها، مشاهد الكارثة التي ألمت بالسوريين جراء الزلزال مؤلمة، مقاطع الفيديو المُسرّبة وهي تنشر أكاذيب كبار العالم، وتلك التي يتم تداولها خلال ثوان بشكل واسع، أكثر فظاعة، دهشة الأطفال والنساء، والمراسلين الذين يقومون بتغطية الأحداث، صور القطط والكلاب المذعورة، والعالقين المتمسّكين بخيوط الحياة، وهم يخرجون من تحت الأبنية المنهارة، الأرقام التي كانت في ازدياد، شعورٌ أكثر من صادم لشعارات من يرفعون حقوق الإنسان عالياً، تسقط أمام أعيننا بحجج البيروقراطية، الحقيقة جارحة ومرعبة.
هواجس نساء من هناك، خلف الشاشات البعيدة
- أجلس أمام الشاشة الكبيرة، أشاهد هول الكارثة التي اسمها الزلزال، الناس بكلّ هشاشتهم، صور النساء والأطفال المذعورين، وبكاء الرجال الذين أراهم للمرة الأولى على درجة من المساواة في الكارثة مع النساء.
- كاميرات الصحافة البارعة في التقاط كلّ صورة أو أي أثر يمكنه أن يحدث فرقاً ولو صغيراً في عرض ما يحدث من صراع بين الحياة والموت.
- كامرأة مجروحة أبكي بعض الشيء، تنتابني مشاعر ثقيلة تشعرني بضعفي حين حوّلني جزء من الكارثة إلى رقم في بلاد اللجوء، وبفداحة الجغرافيا التي تخلق المسافات، أترك كل شيء من يدي، وأصمُت. ألتقط هاتفي لاتّصل بصديقاتي من حلب وعفرين التي لم أزرها خلال وجودي في سوريا، لكن الانترنت ساعدني لأتواصل، وأكوّن عالماً من صداقات مهمة حول العالم، ومع صديقات وناشطات في العمل المدني الإنساني، وكانت نساء حلب وعفرين منهنَّ.
- أخرج للعمل، للتسوق لروتين الحياة، الاتصالات دون جدوى لا ترضي ما أعانيه من هشاشة وقيود، أسير كالمعتوهة وأنا أحمل رأسي المثقل بالذكريات المرتبطة بأكثر آلامنا وأوجاعنا التي صنعتها ثورة سورية وحيدة، فردت علينا الحرب الصاع صاعين.
- لا شيء آخر، شعور يشبه الذنب الكبير يلاحقني، ليس باستطاعتي فعل أي شيء، أبداً لن يجدي دعائي لأحد، ولن تجدي صلاتي، فغيري كان أكثر صلاةً وإيماناً بالله.
- كم تمنيت لو أتيحت لي ولصديقاتي الأخريات، أولئك المتحرقات شوقاً وكدراً للوقوف هناك في كل الأماكن التي دمرها الزلزال، ونصب خيمة للحداد نبكي وننوحُ سوياً بقرب البيوت المهدمة لننعي حظنا العاثر، نقفُ لجانب أصحاب القلوب المكلومة نواسيهم وهم يتحرّقون لرؤية من فقدوا، أمهاتنا المسنات هناك حيث الكارثة، والعجائز من الرجال وهم ينوحون للموتى بكبرياء مهشم، لنحتسي قهوة مرة في وداع موتانا، هيهات أيها الموت.. الطريق إليك شاق، والمطالب لا ننالها بالتمني.
وأنا التي سأعطي لنفسي الحق في نقل ما عجزتُ عن تغطيته ميدانياً، وأنا سأعطي لنفسي الحق هذه المرة أن أترجم ولو بالكتابة عما توجَب عليَّ نقله من أحداث سمعتها من أفواه أقرب النساء لي، وأكثرهنَّ تضرُراً من الحدث الكارثي في عفرين وجنديرس ومناطقها.
نعم أخلاقيات المهنة الصحفية تتوجب علينا أن ننقل الحدث كما هو، ليس من وجهة نظرنا أو وجهة نظر الخبراء فقط، لكن نقل الحدث عبر القصص الإنسانية أيضاً واجب، بالأخص حين يتقاطع مع ما ترويه النساء بكل مخاوفهنّ ومشاعرهنَّ، اليوم نقل حديث المكان بأمانة هي رسالة إنسانية يجب أن تؤرّخ وتوثّق، وأن تكون محط احترام بحجم ما جرى، أنّ تؤخذ بعين الاعتبار والجدية كل ما يُقال.
من واجبنا أنّ نصدّق الناجيات، وهذا ما تعلمناه إنسانياً ومهنياً بعد تجارب الثورة، الحرب، هجوم داعش وأمثاله، والكوارث والتفجيرات التي شهدناها خلال خبرة عقد مضى شاقاً، والتعاطف الحقيقي معهنَّ هو نقلُ روايتهنَّ ومخاوفهنَّ حين يروين ما يشعرن به تماماً.
قد يبدو من غير اللائق أن يتم تداول حدث بهذا الحجم بشكل يبدو للبعض قائماً على التعصُّب القومي في بعض جوانبه، لكن هي جزء من الحقيقة المرّة في خضمّ عسرة ما حدث ومنذ اللحظات الأولى، ومن أفواه الشهود العيان كان التمييز في تقديم الدعم لضحايا الزلزال على أساس انتماءات سياسية واجتماعية وقومية، في ذات اللحظة التي يتحتم على دعاة الإنسانية مدّ يد العون للجميع دون تمييز كما حدث على مسامع ومرأى العالم جميعاً.
كان ما حدث مبرّراً كافيا لنقل مخاوف نساء عفرين الكرُديات، وهنَّ اللواتي تقاطع العنف والتمييز بحقهنّ أضعافاً، بعد أن اجتاحتها القوات التركية ونزح الكثير من سكانها، وتمَّ توطين السوريين من أماكن أخرى في منازلهنَّ، الذين نزحوا خوفاً على أرواحهم وانتهاك أعراضهم، المشكلة ليست لدى أهالي عفرين من استضافة سكان جدد، وهم على استعداد لتقديم كل عون لهم، ولكن السؤال:
لماذا لم يتمكّن أصحاب البيوت أنفسهم من العودة إلى بيوتهم؟
لم يكن ما تابعته خلال تلك الجلسة عبر تطبيق الزوم الذي اعتدناها تعويضاً لدحر المسافات بيننا طقساً معاشاً فقط، بل أصبح آلية مناصرة وتضامن، تشاركية وطقساً لكل مناسبة سارة كانت أو ضارة. كانت بمثابة جلسة عزاء.
ما تمَّ إعداده لتتمَّ هذه الجلسة لم يكن تحقيقاً أو بهدف التقصّي، بقدر ما كان جلسة للإصغاء والفضفضة وبوح أقلُّ ما يُقال عنه، بوح مرير، ومقتطفات من سير ذاتية لنساء من عفرين وجنديرس وكاخرا، حين كانوا ينحرون الكلمات نحراً لتكون على مقاس آلامهم التي بدأت معاناتهم أولاً مثل كل السوريين/ات 2011، لتزداد وتصبح أكثر قتامة وثقلاً حين ابتليت عفرين باجتياح عسكري باسم حملة "غصن الزيتون"
النساء هناك اللواتي يمكنهنّ أن تصفنَّ كل حجرة وزاوية وشجرة ونافذة وباب، وصحن وشوكة، ومزهرية، وسجادة، فنجان قهوة، معصرة لزيت، ولوحة فلكلورية، وآلة موسيقية معلقة على جدار متصدع، وصور عائلية، وطرق مفتوحة نحو سبل الحياة لم تسعفهم الكوارث لحملها ونقلها في حقائب خاصة، كلُّ شيء يخصّ منازلهن المسلوبة والمدمرة، أصبحن ينظرن إليها عبر الصور المحفوظة لديهنَّ وفي ذاكرتهنَّ، ينظرن إليها دون أن يسمح لهن بالعودة، البيوت لم تعد بيوتهم، أصبحت لغيرهم، وربات بيوتها هنَّ نساء أخريات جاء بهن العسكر التركي، ومنحهنَّ تلك البيوت العفرينية.
أتساءل كامرأة سورية لم تختبر هذه التجربة.
"أية رغبة تلك، وأية طمأنينة يمكنها أن تدخل لقلوب نساء أخريات يلتحفن ويتوسدن ويأكلن ويشربن ويتفيأن بظلال أشجار كانت لغيرهنَّ، دون أن يتسلل أي شعور بالذنب لنفوسهنَّ، أو تنتابهنَّ مخافة من أشباح لتلك الأرواح التي بقيت تحوم في منازلها، ربما صدقنَّ حكاية" بأن الكُرد من سلالة الكفرة أو الجنّ"، وأي إله ذاك الذي يصلون ويكبرون باسمه، ويحللون لأنفسهم أن يسكنوا بيوتاً غير بيوتهم، وأصحابها لازالوا على قيد الحياة، بالجوار منهم في مخيمات ليست ببعيدة
هناك حبل سري يربط الناس ببيوتها وأمكنتها، لا ينقطع حتى بعد الرحيل عنها.
أمينة مستو...ناشطة مدنية من عفرين/جنديرس/ مقيمة الآن في ألمانيا، لكنها دائمة التواصل مع الأهالي هناك،
شاركتنا ببوحها الحزين بعد الزلزال وبعض مخاوفها... أصبح الحمل فوق طاقتنا، نحصي آلامنا التي كثرت، وجاء الزلزال ليكمل علينا في محاولة لإنهائنا.
جنديرس المدينة الوادعة، أصبحت خلال السنوات الخمس الأخيرة تكبر يوماً بعد يوم وهي المدينة القديمة جداً، بقي أهلها صامدين فيها، بسبب جودة الحالة الاقتصادية بحكم مزارع الزيتون والأراضي الخصبة وحركة التجارة، جذب الوضع الاقتصادي في جنديرس وقربها من إدلب أطماع الجماعات المسلحة، يتواجد فيها أحرار الشرقية، وأتباع من جبهة النصرة التي تراقبها عن كثب.
لكنَّ الزلزال أسقط همم الأهالي الأصليين أرضاً، وفقدوا أيّ أمل بمستقبل أفضل قادم. لعله من المؤلم أن أحكي هذه الجملة بحرقة وغصة لا تفارقني، ويؤسفني أن أنقل أحد الأصوات من هناك، حيث يتوسد الخوف والألم، يحدثني على الهاتف بلهجته العفرينية على شكل حكاية تروى في تراثنا
" كان يا ما كان، يا زمان، يا أيها الأطفال، بالقرب من حلب السورية كانت هناك مدينة في غاية الجمال يقطنها الكُرد ...وكان اسمها جنديرس" لنغرق في بكاء جميعاً.
هي دلالة على خطورة ما يصول، ويجول في خواطر السكان الكرد تحديداً كمكون مهدد، وما سيحدث من تغييرات بسبب التواجد التركي ومحاولاته التي لا تنتهي في إعادة بناء جديد للمدينة وتغيير ديمغرافيتها، وحتى اسمها، وتقديم التسهيلات للجهات التي ستجلبها لإعادة إعمارها.
كيف سيشعر الكُرد بالأمان بوجود الإرهاب؟ كيف سيعودون مجدداً لبيوتهم المدمرة، بدون حماية وبدون موارد مال كافية وبدون سند ودعم دولي إقليمي لهذا المكون حتى يبقى صامداً في أرضه التي زلزلت من تحته؟!
تكمل أمينة حديثها بالبكاء المخنوق: أنا من جنديرس، المدينة التي ابتليت بأكثر الجماعات المسلحة إرهاباً،
يقول أحد أقربائي الناجين ليشعل النار في قلبي "لسنا جياع ولسنا خائفين من الموت، فالكارثة ويقصد بها الزلزال خارجة عن صنع البشر. لكن ساعدونا وفكروا جيداً، ما الذي ينتظرنا؟ ماذا سيكون مصيرنا بعد عدة أسابيع من الكارثة؟
وعن مشهد آخر تنقله لنا، هل من المعقول أن تصل بنا الحال ليقوم شاب فقد الأمل، بإزالة الباطون المتردم بيديه! محاولاً سحب جثة أخيه حتى يدفنه بكرامة، لأنه لم يتلقَّ أية مساعدة؟
أيعقل أن تصل الحال بالناس بإزالة الركام بالأيادي وبالملاعق والصحون لإخراج الأشلاء ومن تبقى تحت الأنقاض؟
لا أصدقاء لنا، لا سند، لا دعم...
في ألمانيا، أنشأنا حساباً بنكياً لنساعد بما نحصل عليه من تبرُّعات الأهالي، ونرسلها للمحتاجين في عفرين بعد 2018، واليوم بعد حادثة الزلزال، ومن المضحك المبكي يتوقف الحساب البنكي الذي كتب عليه تبرعوا لعفرين، باعتبارها مدينة سورية، وسوريا معاقبة تحت بند قانون قيصر. لماذا لم يسألوا أنفسهم أن عفرين مدينة سورية حين اجتاحها الاحتلال التركي وشُرد أهلها، وسلبت بيوتها؟
تُختم حديثها بكل أسى "العدالة ميتة، اللصوص الذين جوعتهم تركيا يتكالبون على جنديرس وغيرها من المناطق كالوحوش الضارية الجائعة، لتسرق المعونات وكأنها غنائم، وإذا لم تتمكن الجهات المعنية من إيجاد جهة تتبنى إعمار جنديرس بشكلها الأصلي الذي يحفظ للإنسان كرامته، سننسى هذه المدينة ونفقدها للأبد.
أما نوروز رشو صحفية تعمل مراسلة وكالة "صوت أمريكا" وتقوم بتغطية الأحداث في جنديرس، شهبا، حلب، كوباني...
بالنسبة لنا كردياً، كانت جنديرس الكتلة الكردية الأكثر صموداً وعدداً وقوة اقتصادية، وكانت هي الصورة المثلى للهوية الكردية اهتزت مع الهزة الأرضية. الضربة الأكبر كانت في عفرين، وجنديرس كانت هذه بمثابة الضربة وتكاد تكون القاضية، الضحايا والكارثة على طرف، ولكن مخاوف الناس فيها وخاصة الكُرد مما هو آت هو الذي يرعبنا في طرف آخر.
فقدنا الأمل في الدعم الدولي، انكشف نفاقه، الهشاشة النفسية طغت على كل شيء، فقد السوريون والكُرد منهم ذويهم بأعداد كبيرة وتم إهمالهم بالدعم الإنساني الإغاثي، الجهات المانحة والمساعدات والتي ستتبنى إعادة إعمار المنطقة، والعابرة لسوريا عبر الحدود السورية التركية ستكون بمقاسات السياسات والمصالح السياسية التركية والتي أقولها بكل صراحة وواقعية، التغيير الديمغرافي الموائم لمصالح تركيا وهو القضاء على الوجود الكردي من جذوره وهو ما عجز النظام عن تحقيقه لسنوات طويلة. حين نقل الإعلام صور الناس المنكوبين بدموع الفرح والحزن، وهي تستقبل مؤسسة بارزاني الخيرية كجهة وحيدة جاءت من إقليم كوردستان العراق دعماً للمنطقة وأهلها، لم يكن إلا تعبيراً عن الهيجان العاطفي وضيق الحال والخوف الذي نهشهم خلال الأيام الأولى التي ابتلوا فيها بالزلزال، والتهميش، والسرقات التي طالت ما تبقّى من أطلال المنازل.
لكن تلك الخطوة الإسعافية لم تقف حاجزاً ليسأل الناجين/ات " أين كنتم يا إخوتنا منذ خمس سنوات؟"
تكمل: ما نرجوه هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أريد أن يبقى للكردي وزيتونه في هذه الأرض موقع قدم. اليوم عاطفتنا تغلب على كل شيء أمام الرغبة الوجودية، العنصرية التي صدمتنا على أرض الواقع في أحلك حالاتنا.
ومن المؤسف أن أتنبأ فيما لو استمر الوضع بهذا السوء، اقتتالاً داخلياً آخر لأسباب كثيرة، ولا أريده أن يحصل وإن كانت الإشارات تنبه لذلك، فالمنطقة منهكة من النزاعات العسكرية والسياسية المُتحكّمة. نحتاج اليوم للحكمة والهدوء للخروج من هذه الكارثة.
تنهي نوروز حديثها «من الضروري أن يتم توثيق الانتهاكات، ومن المهم أن تدخل كل المنظمات الحقوقية المدافعة عن حقوق الإنسان، عن الفئات المُهمّشة، المدافعة عن الأقليات التي باتت وشيكة على الانقراض من المكوّنات السورية بسبب الصراعات والحكومات العنصرية، وحتى وسائل الإعلام التي يجب عليها أن تنقل الأحداث والحقائق هي ضرورة إنسانية مُلحّة، وهذه مهمة تاريخية توثيقية حفظاً لحق الإنسان السوري، وحفظاً للوجود الكردي التاريخي في هذه المنطقة التي تعيش محاولات للإبادة على مرأى ومسامع العالم.
لا يسعفني شيء آخر في هذه اللحظة، أنا حزينة وغاضبة، فاقدة لكلّ أمل بالإنسانية.
حميدة ناشطة نسوية من المكون الإيزيدي في عفرين تعيش في ألمانيا منذ بضع سنوات
في الأيام الأولى كان من الصعب التحدث معها دون بكاء، الخوف على فقدان شقيقاتها وعوائلهم الموجودة هناك طغى على كل شيء، لم تهدأ وهي تحاول بكل ما لديها من قوة أن تؤمن ما يمكنه من تقديمه من دعم مالي لأقربائها، لتساعد من تعرفهم، لازالت شقيقاتها الأربع يعشن هناك في حلب التي تضررت أيضاً البيوت والمباني السكنية فيها، افتقدنَ القدرة على النوم، الخوف من الزلزال وتبعاته أبقاهم بضعة أيام في العراء والبقاء في سيارات دون أن يتم تقديم يد العون لهم. لكن بالنسبة لهم البقاء في العراء أفضل من الموت أو البقاء تحت الأنقاض بانتظار أن ينتشلوا جثثاً بالجرافات بعد أن تتفسخ.
أما منى مصطفى/ناشطة حقوقية نسوية من قرية كاخرة/ في منطقة عفرين ومقيمة في ألمانيا وتعمل في منظمة توثيقية للانتهاكات...تضيف بحديثها عن بعض المجريات المحفوظة لديها كمقاطع صوتية وفيديوهات مصورة وسرية للتوثيق القانوني.
من المحزن جداً أن تتكرر كارثة بهذا الحجم والناس هناك لازالوا يعيشون بشكل يومي حرباً نفسية، بسبب تواجد الفصائل المسلحة التي من أبسط ما يمكننا وصفها، فصائل إرهابية بكل معنى الكلمة، تعرضت النساء للاغتصاب، نزح أكثر سكانها، ويعيش لغاية حدوث الزلزال في أكثر منازل القرية نازحو منطقة الغوطة، إدلب ودير الزور، والمشكلة ليست في هؤلاء جميعاً، فالبعض منهم لا حول له ولا قوة، لكن الكارثة في أن تلك الفصائل حوّلت المنطقة لمجتمع أقرب إلى أفغانستان بسبب ممارساتها القمعية وانتهاكاتها وخاصة مع الفتيات والنساء والكرد منهم على وجه الخصوص، ووضع يدها على موارد الاقتصاد للكُرد سكان المنطقة، والمعروف عنها كثرة بساتين الزيتون والجوز، الفاكهة والرمان والتين والسماق...ناهيك عن جمال المنطقة وهوائها العليل. الآن أغلب الكُرد الباقين من ذوي الأعمار الكبيرة والذين يثيرون الشفقة وهم يقضون آخر أيامهم تحت الرعب والشقاء، دون أن يتمكن أحد من الاعتراض على شيء.
في قريتي كاخرا مثلاً 17 قبراً لضحايا من عائلتين فقط في الأيام الأولى من الزلزال، ويبلغ عدد سكان القرية تقريبًا 5000 آلف نسمة. غالبية البيوت مهدمة الآن، وما تبقى منها تشكل مصدراً للخوف من سقوطه فوق رؤوس أهلها. الناس متخوّفون مما حدث، ومما سيحدث، تنهب البيوت، الأموال والذهب، الكهربائيات والأثاث.
تضيف منى: يحاول أهالي المنطقة إرسال مساعدات مالية لذويهم عن طريق المكاتب، لكن الخوف الذي بات مطبقاً على صدورهم يمنعهم غالباً من استلامها، إلا بطرق سرية للغاية، الناس تعيش الآن في خيام بسيطة، لا يعلم أحد متى سيبدأ الدعم الحقيقي؟ وكيف سيتم ذلك؟
نهايةُ كلّ كارثة
مشاعر الناجيات من الزلزال، هي ما عاشته أخريات في كارثة ما، كأنها نساء حماه، نساء الغوطة، نساء درعا، نساء حمص، نساء قامشلو، نساء سري كانييه وكوباني ونساء عفرين وكل المناطق التي تضررت قبل الزلزال وبعده...لا نريد أن نكون مجرد أرقام في قوائم الحكومات والمنظمات الدولية. في الحقيقة التشاؤم ملازم للسوريين/ات، نتطلع إلى نهاية تفضي إلى حل إنساني لكامل الجغرافية السورية.