الحظ في حياة الإنسان
محمد رجب رشيد
من المُلاحظ أنّ مفهوم الحظ من أكثر المفاهيم الجدلية المتداولة في مختلف أنحاء العالم بغضِّ النظر عن معتقدات الشعوب ودرجة رُقيِّها ومستوى ثقافتها، ما يدلُّ على ذلك أمثال شعبية قديمة عن الحظ متداولة إلى الآن، وأقوال مأثورة خاصّة بكل شعب من الشعوب (حظ أعطيني وبالبحر أرميني، ألّي مالو حظ لا يتعب ولا يشقى، فلان حظه بفلِق الصخر، فلان حظه من السّما، الحظ بيجي مرة واحدة، حظي وبعرفه. ليس للجاهِل سِوى الحظ في تفوُّقه وإخفاقه، القلب الجريء يحطِّم الحظ السيئ، جنبًا إلى جنب يسير الحظ والجُرأة، ….إلخ). بالطبع الحظ -بوجهِيه الإيجابي والسلبي- يخصُّ الأفراد دون المجتمعات، نقول فلان من الناس محظوظ، ونقول عن آخر منحوس، بينما لا نقول ذلك عن المجتمعات. هنا يبرز إلى السطح تساؤل مشروع: ما هو الحظ؟ هل هو وَهَم؟ أم حقيقة؟ وما هي مصادره؟
تختلف وجُهات النظر حول الحظ باختلاف الأشخاص، ثَمّة من يؤمن بِسطوة الحظ، وثَمّة من يؤمن بالأسباب، وثَمّة من يتدارى بالحظ حسب أهوائه، فإن فشِل، فالحظ حسب ظنِّه لم يُسعِفه، وإن نجح فيقينًا بجُهدِه. الأمر الذي يعني استحالة إسقاط الحظ من حياة الناس، خاصةً وأنّه مذكور في عِدّة مواضع من المصحف الشريف، والحظوظ فيه موزّعة توزيع ابتلاء في هذه الدنيا، (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) قرآن كريم.
أمّا في الآخرة فهي موزّعة توزيع جزاء، وقد وعد الله تعالى أصحاب الصبر والهِمم القوية حيث قال:( وما يُلَقَّاهَا إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) قرآن كريم.
الحظ هنا هو ما يقدِّرُه الله سبحانه وتعالى لِمن شاء من الناس مِمّا يُجْهَل أسبابه كالرِزق، النجاح، القوة، الجمال، والذكاء،…إلخ. والأسباب نوعان، أسباب ظاهرة معروفة لجميع الناس، وأُخرى مخفية يجهلها الناس، هذا في الدنيا أمّا في الآخرة فالذي يجِد مقعده في الجنة هو المحظوظ.
بالعودة إلى الواقع نجد أنّ الحظ يتأرجح بين الوَهَم والحقيقة، فهو وَهَم عندما نعتبره سببًا وحيدًا للنجاح، ونتجاهل بالوقت نفسه مقوِّمات وأسباب النجاح، وهو وَهَم أيضًا عندما نتّخذه شماعة لتعليق إخفاقاتنا ونجاحات غيرنا دون البحث عن الأسباب، وذلك لِكِي نبدو أمام عجزنا أبرياء وأمام اقتدار الآخرين مغلوبين على أمرِنا. إنّ الحظ يكون حقيقة فقط عندما يأتي كنتيجةٍ من نتائج النجاح أو سببًا من أسباب الفشل.
حتّى الآن لا يوجد تعريف دقيق للحظ مُتّفق عليه، ولكن وباختصار يُمكننا وصف الحظ بِحدث يقع للمرء خارج إرادته، يحمل معه صُدفاً ذات معنى إيجابي أو سلبي، أو نجاحاً ما يأتي على شكل فُرص قابلة للاستغلال، أو فشل على شكل صعوبات وعوائق. يجدُر بِنا هنا التأكيد على أهمية الحاسّة السادسة في مساعدة المرء على اختيار المواقف الصحيحة في الظروف الغامِضة، وتدارُك الوقوع في المطبّات التي لا تُحمد عُقباها، والاستفادة القُصوى من الفُرص المتاحة مهما قلّتْ أو كثُرت. يقول الدكتور أرنورد دي ماير في كتابه (منطِق الحظ): الحظ مجرّد لعبة تخضع لِما يتّخِده المرء من قرارات تحقّق مصالحه، وتجعله محظوظًا، فالحظ الجيّد هو نتيجة لِما يتّخِذه المرء من قرارات إيجابية. أمّا الفشل فله أسبابه أيضًا، يتِمُّ تجاهلها أحيانًا لإرضاء النفس.
حقًا لو كان النجاح مجرّد حظ فقط لكان رخيصًا لا قيمة له، ولكن ماذا لو افترضنا الحظ معادلة رياضية؟ لا شكّ سنجد عندئذ في الطرف المُقابِل للحظ كُلٌّ من الشغف، الذكاء العاطفي، الجهد، التصميم والإرادة التي تجعل المرء أكثر قُدرةٍ على تحقيق أهدافه، أمّا أصحاب الهِمم الضعيفة فمن الطبيعي أنْ يكونوا خارج المعادلة بانتظار الحظ الذي قد لا يأتي أبدًا.
في الامتحانات المدرسية أو الجامعية قد يحالِف الحظ طالباً لم يدرس سِوى جزء من المقرّر، وتأتي الأسئلة منه فينجح، إلّا أنّ ذلك من الصُدف النادرة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها واعتباره قاعدة ثابتة.
لا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لرياضة كرة القدم، حيث يلعب الحظ دوراً ما في نتائج بعض المباريات، كأن تصطدم الكرة بجسم مدافع وتغيّر مسارها إلى المرمى، أو أن تصطدم الكرة بعارضة المرمى أو إحدى قائمتيها ثم ترتد إلى خارج المرمى. أمّا الخرافة فلها نصيبٌ وافِرٌ من الحظ، تكاد لا تخلو منه أي ثقافة من الثقافات وإنْ كان بدرجات متفاوِتة، خاصةً لدى الشعوب المتخلِّفة المغلوبة على أمرها.
يُصنّف الحظ إلى نوعين، الأول ذاتي ناتج عن الوراثة مثل الذكاء، الجمال، القوّة البدنية، والقوّة الحيوية التي تظهر من خلال الصبر ومقاومة أقسى الظروف ثمّ التغلُّب عليها، أمّا الثاني فهو ذو مصدر خارجي يشمل فيما يشمل المحيط والبيئة الاجتماعية، كأنْ يُولد المرء في عائلة غنية متماسِكة، أو في عائلة فقيرة مُفكَّكِة، أو كأن يحمل جنسية دولة غنية أو دولة فقيرة.
عندما يبتسِم الحظ للإنسان تتضاعف قدراته العقلية والجسدية أضعافاً مضاعفة، بينما في حال أدار له ظهره تنخفض قدراته بشكل ملحوظ إنْ لم يكن مستعدًا لمواجهة الوجه السلبي للحظ.
وأخيرًا أقول: إذا كان لا بدّ من الإيمان بالحظ، فلنؤمِن قبل ذلك بيقينٍ جازمٍ أنّ الحظ الجيد ليس سِوى عملنا الجيد، والحظ السيّئ ما هو إلّا توهمُّنا بأنّنا غير محظوظين.