التطبيع العربي مع النظام السوري..أسبابه وتداعياته
سعد برازي
شهدت العلاقات السورية -العربية توتراً بعد اندلاع الثورة السورية، وقطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة السورية، واعلنت تضامنها مع مطالب الشعب السوري، وقدمت بعض الدول الدعم المالي والعسكري للمعارضة السورية وفصائلها المسلحة. وبذلك أصبحت سوريا دولة معزولة من محيطها العربي والاسلامي، ولكن كان هناك دول لم تقطع علاقاتها مع حكومة دمشق، وأبقت على سفاراتها طوال اعوام الحرب.
بعد مرور أكثر من عقد على الحرب في سوريا ودمار الذي شهدته ومقتل الآلاف من الشعب السوري، وفشل كافة المحاولات والمبادرات العربية والدولية في ايجاد حل سياسي سلمي للازمة السورية، وتحوّل سوريا لساحة صراع بين الدول على الصعيدين الاقليمي والدولي، تزايدت في الأعوام الاخيرة الدعوات لإعادة تطبيع العلاقات العربية مع النظام السوري خاصة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غربي سوريا فقد استغلت العديد من الدول هذه الكارثة من أجل التقرب من دمشق بحجة إغاثة الشعب السوري، وفتحت جسوراً جوية من المساعدات الانسانية، وزار دمشق العديد من الوفود العربية من وزراء خارجية لدول مصر والاردن والامارات ورؤساء برلمانات عربية برئاسة رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي ولقائهم بالرئيس السوري بشار الاسد، ولقد اجرى العديد من الرؤساء والملوك العرب اتصالات هاتفية مع الاسد، وإعلان دول كالامارات والبحرين عن فتح سفارتيهما في دمشق قبل ذلك في عام 2018، واعلنت دول اخرى نيتها بفتح السفارات مثل السعودية وتونس.
ولكن ما هو سبب تدافع الدول العربية للتقرب من سوريا؟
يرجع سبب تقارب الدول العربية مع حكومة دمشق الى فشل المعارضة السورية في تقديم نموذج لمعارضة معتدلة للعالم. فالمعارضة على عكس ذلك قدمت نموذجاً لمعارضة متطرفة منقسمة ليس لها مشروع. وفي الطرف الثاني هناك حكومة سورية متمثلة ببشار الاسد سيطرت على معظم الاراضي التي سيطرت عليها المعارضة بمساعدة حلفائه الروس والايرانيين، فلولاهم لما استطاع الصمود لحد الآن.
الدول العربية رأت أن مقاطعة الأسد هي دون جدوى، والحل هو بالتقارب مع النظام السوري لأن حبوب الكبتاجون القادمة من سوريا أغرقت بلدانهم، وتضررت اقتصاداتهم، كما أن تزايد النفوذ الايراني في سوريا هدد مصالح الدول العربية وزعزعت استقرارهم، فما كان منهم الا والتقرب من الاسد لسعيهم من اجل تقليص النفوذ الايراني في سوريا مقابل إغراء الأسد بالمال والاستثمار العربي والخليجي، فحكومة الاسد الآن بحاجة الى اموال العرب وليس لأسلحة وصواريخ ايران، فإيران غارقة في العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
ولكن قد تفشل الدول العربية في كبح نفوذ إيران في سوريا لأن ايران ستضع شروطها على الاسد للتطبيع مع العرب وان النظام السوري سيبقي على إيران كورقة ضغط ضد العرب في حال تخليهم عنه، فبشار الاسد يثق بإيران اكثر من العرب الذين حاولوا اسقاط نظامه.
ومن جهة ثانية تطمح الدول العربية التقرب من الاسد من اجل التقرب من روسيا التي تعزز نفوذها ودورها في الشرق الاوسط بعد شبه الانسحاب الاميركي من المنطقة ما هدد أمن الدول العربية التي تعتمد على امريكا في تعزيز امنها واستقرارها من تهديدات ايران، فروسيا هي التي بذلت جهوداً دبلوماسية كبيرة من أجل تقارب العرب مع سوريا، وان الدول العربية وخاصة الخليجية تريد ان تعزز مصالحها مع روسيا من بوابة سوريا.
مؤخراً أعلنت المملكة العربية السعودية وسوريا عن فتح السفارات بين الجانبين، وتزايدت الدعوات لعودة سوريا الى الجامعة العربية وحضور الرئيس بشار الأسد القمة العربية التي ستعقد في السعودية في شهر ايار المقبل، ولكن ليس هناك اجماع عربي وخاصة من دول كالكويت والمغرب لهذه الدعوات. ولكن قد يصبح هناك اجماع في المستقبل القريب.
وتبقى العقوبات المفروضة على سوريا وخاصة قانون (قيصر) عائقاً امام مسيرة التطبيع، ولكن قد تتساهل امريكا مع التطبيع بالخفاء من اجل مصلحة حليفتها إسرائيل
ختاماً بودي الإشارة إلى أن التطبيع مع الحكومة السورية قد يعزز من مكانة الاسد الاقليمية والدولية، ومن الممكن ان يضع الحد للازمة التي طال امدها ولكن دون ايجاد حل لمعاناة الشعب السوري ومطالبه باسقاط الاسد، فالمصالح هي التي تقول كلمتها في هذه المرحلة.