شريعة الغاب

شريعة الغاب

محمد رجب رشيد

لقد عاش الإنسان البدائي حياته هائمًا في الغابات والبراري، لا يعرِف الانتماء إلى أرضٍ معيّنةٍ أو جماعةٍ ما، يكدح يومه باحثًا عمّا يسُدُّ رمقه، ويوفِّر أمنه. حينها كان الإنسان مسؤولًا عن جميع أمور حياته بِمُفرده، وبنفس الوقت يفتقِد إلى أدنى مستويات التعاون والمُشاركة، ولا يعرِف شيئًا عن السلام والأمان والضوابِط، بل صراع مستمر من أجل البقاء. في تلك الحُقبة كان الإنسان كائنًا بِلا سمُوٍّ، لا يدرك معنىً إلا أنْ يأكل، ويتكاثر، فإن تزعَّمَهم زعيم ما، بالقوة وحدها يتزعَّم، حتى إذا كَبُرَ بالسِن وأنْهَكَته الأيام غلبَه على أمره زعيمٌ آخَرٌ، قد يكون هذا الآخر ابنه الذي من صُلبه. وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤُل مهم: هل لشريعة الغاب رسوخ تاريخي في النفس البشرية وغير قابلة للزوال، والشعوب التي تجاوزتها في العالم المتحضِّر تشكِّل استثناءً؟ من المؤكّد أنّ أي شعب يمكن أن يكون استثناءً مع توفُّر الإرادة والمساواة والعدالة.
عندما تكون القوّة وحدها هي السيّد ولا سيّد غيرها، والعقل معطّل لا عمل له، والقِيَم والأخلاق غائبين أو مُحَجَّبِين لا يعرف أحدٌ من الناس شيئًا عنها، وفي الوقت نفسه يتِمُّ الحديث عن الكثير من الأوهام في عالم الغيب. عندئذ سنجِد أنفسنا أمام شريعة الغاب، وبالتالي لا بدّ أن تكون الغلبة فيها للأقوى دائمًا. لو أسقطنا ما سبق على الوضع السائد في منطقة عفرين خلال السنوات الخمس الماضية منذ الاحتلال التركي لها بمشاركة مرتزقتِها من الفصائل المسلّحة لوجدنا تطابقاً شبه تام بين ما يحصل من جرائم بحق الأهالي وشريعة الغاب التي كانت سائدة منذ عشرات الآلاف من السنين، مع فارِق مهم هو أنّ تلك الجرائم أقسى وأفظع من شريعة الغاب لِكونها جرائم منظَّمة تُرتكب بِحقِّ الأهالي المسالمين من قِبل من يسمّون أنفسهم شُركاء الوطن والدين، وذلك بحماية مباشرة من السلطات التركية بهدف التغيير الديمغرافي لسُكان المنطقة وصولًا إلى التطهير العرقي الذي يُعدُّ شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية. هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ شريعة الغاب شريعة طبيعية لا دخل للإنسان في سنِّها، بينما الجرائم المنظّمة شريعة وضعيّة غير مستمِدّة من إرادة الشعوب ولا من قوّة الحق وإنّما من حق قوّة السلاح المُنفلِت، والفرق بين الحالتين واضح لا يحتاج إلى شرح. حقًّا لو أدركت شريعة الغاب تلك الجرائم المنظّمة خلال السنوات الخمس الماضية من تاريخ منطقة عفرين لخجِلَت من نفسها، بل ربّما انتحرت من هَوْلِها.
يقول الشيخ صالح الفوزان -عضو هيئة كبـار العلماء في السعودية-: العبودية جزء من الجِهاد، والجِهاد سيظل باقياً ما بقيَ الإسلام، ثمّ يضيف: كل مسلم يدّعي أنّ الإسلام ضد العبودية هو جاهِل لا يفقه شيئاً من الإسلام. باسم الإسلام وخلافًا له فرضوا العبودية على أهالي منطقة عفرين بقوة السلاح على مرأى ومسمع العالم، أيُّ ظُلم أكبر من هذا؟ أليس الظالِم عند اللّه هو الذي يتصرّف فيما لا يملك؟ فالعبودية لا تقتصر على قيود في الأيدي والأرجل، بل هي سلب الإرادة بالقوّة مع غياب تام لأي شكل من أشكال الردع الأخلاقي أو الديني أو القانوني. بينما في المناطق التي تسمّى بالشمال السوري المُحرّر لا نجد مثل هذه الجرائم -بالطبع لانتمنّى ذلك- لسبب بسيط هو أنّ أهلها ليسوا كُوردًا. هل سمع أحد بقطع شجرة زيتون واحدة في إدلب؟ وهل استولى عنصر مسلّح على منزل أحد؟ وهل شارك الأهالي أرزاقهم أو استولى عليها في حال كان صاحب الرزق هارِبًا من الظلم والقتل في تلك المناطق؟ بالتأكيد لا! لأنّ أهلها ليسوا كوردًا.
لا شكّ أنّ جريمة شعلة نوروز لم تكن الأولى من نوعِها، ولن تكون الأخيرة مع الغياب التام لسلك القضاء والمحاسبة، فقد سبقتها جرائم كثيرة لا تقِلُّ عنها بشاعةً. مثل هذه الجرائم ما كانت لتُرتكب لولا تهيئة البيئة المناسبة لها من قِبل السُلطات التركية. وهنا أتساءل: ماذا لو ارتكب قسد مثل هذه الجريمة في مناطق سيطرته بحقِّ أشخاص من العرب؟ هل كانت ستمرُّ مرور الكِرام؟ بالتأكيد لا! كانوا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها.
لقد انكسرت منّا العيون، وذلّت الرِقاب، وانهزمت النفوس، نحن الجيل الحالي من كورد سوريا، كثيراً ما ألقينا اللوم على أجدادنا -خاصة صلاح الدين الأيوبي- لعدم إقامة دولة كوردية، رغم أنّ بعضهم نال شرف المحاولة، وتناسِينا بذات الوقت البطولات التي أورثوها للأجيال اللاحقة وإن لم تكن خالِصًا لِأجلهم. بينما البعض من أبناء جيلنا الحالي يرفض قيام دولة كوردية، ويتعهّد بمحاربتها في حال قيامها، والبعض الآخر يعشق الذُّل والتبعيّة للآخرين حتّى وإن كانوا أعداءًا لنا، ويعمل عن جهل أو عن عمد على توريثهما للأجيال القادمة، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين اعتبروا المحتلّ مُحرِّراً، والمسلّحين المرتزقة ضيوفاً كِراماً، وإن أجرموا بحق أهلنا. وآخرون عملوا على تشويه بعض المفاهيم، فالحرية لا تعني لهم سِوى حرية التبعية، والتعددية لا تعني سِوى زيادة عدد الأحزاب، حتّى الديمقراطية لم تسلم منهم فقد أفرغوها من معناها بإضافة الأمّة إليها لتصبح الأمّة الديمقراطية هي الهدف الوهمي النهائي. ليس هذا فحسب بل نقدِّم التنازلات للآخرين بسخاء، ونبرِّر جرائمهم بحقِّنا، ولا نتفق مع بعضنا على أبسط البديهيات.
فليفترِض كّلُّ واحدٍ منّا أنّه أحد شهداء شعلة نيروز أو من أهلهم أو من أقاربهم أو من جيرانهم، لنسمّ الأشياء بمسمّياتها دون أي اعتبار آخر، حتّى تنتصر نفوسنا داخل نفوسنا كَي لا نخجل منها. قد نستحِقُّ لعنة الأجيال القادمة! ولكن عليهم أن يعلموا جيداً أنّ الأجيال التي ستأتي بعدها لن ترحمهم إنْ لم يكونوا أفضل من جيلنا.