بين الانتماء الحقيقي والانتماء المتأرجح (وجهة نظر)

بين الانتماء الحقيقي والانتماء المتأرجح (وجهة نظر)

علي مسلم

لقد افرزت احداث الثورة السورية الدامية بتبعاتها ودوافعها وأهدافها واقعاً اجتماعياً مغايراً، واختلطت الأمور على الجميع جراء ذلك، بما في ذلك أولئك الذين كانوا يؤمنون حتى الأمس القريب بأن ثمة أمل ولو ضئيل في احداث ثغرة في جدار الاستبداد القائم، والانتقال بموجب ذلك الى واقع اكثر انفتاحاً على الحريات العامة وفق صيغ ديموقراطية يتفق عليها جميع السوريين، لكن الوقائع غيرت بوصلة الأحداث كما راينا، وبالتالي فرضت أنماطاً جديدة من السلوكيات كان من شأنها وضع الجميع أمام مهام ومسؤوليات مغايرة، وانقسم الناس على أثر ذلك الى فريقين، بغض النظر عن العوامل المؤثرة التي لعبت دورا في رسم خارطة طريق لكل فريق، سواء من جهة المكانة الاجتماعية، أو الموقع الجغرافي، او الخلفية السياسية المفترضة، فالفريق الأول وهم الغلبة مضوا في البحث عن ملاذ أمن لهم ولأطفالهم تاركين خلفهم كل يمت لهم من صلة بالأرض والديار والوطن، وبالتالي حددوا لأنفسهم انتماءً جديداً شبيهاً الى حد بالانتماء المتأرجح، أما الفريق الآخر استطاع أن يوائم نفسه مع المخاطر رغم الصعاب، وبقي على ترابه متحدياً، وبالتالي حافظ على انتماءه الحقيقي، وبالرغم من مشروعية ما يلجأ اليه المرء في زمن الحرب، سواء من جهة البقاء متحدياً او الهروب طلباً للأمان، فثمة ثوابت قانونية واخلاقية يتوجب على الفريقين الالتزام بها، ولا يجوز في أي حال من الأحوال اعتبار الهروب هدفاً على الجميع السعي اليه، على اعتبار انه ينطوي على جملة من المخاطر أهمها توفير مقدمات التغيير الديموغرافي، كما أنه ليس من الحكمة أن يتم فرض البقاء على الجميع وسط كل هذا الكم الهائل من المخاطر.
ومن الطبيعي أن يتوجه الاهتمام والتركيز من قبل المؤسسات والأحزاب المعنية على الباقين في مواقعهم وسط المخاطر، بالرغم من تواضع الامكانات، على اعتبار انهم سيشكلون بالضرورة نواة لمشروع مستقبلي يتحدد بموجبه مصير الوطن بما في ذلك المكونات المختلفة التي تحدد نسيج هذا الوطن، اما أولئك الذين دعتهم هواجسهم الى مغادرة الديار، واختاروا العيش وسط الأمان، فلا يحق لهم تحت اية حجة كانت أن يتطاولوا على الواقع الموجود، وينثروا اتهاماتهم المتطرفة والباطلة هنا اوهناك، وقد ظهر في هذا السياق، سيما بعد جريمة جند يرس يوم النيروز والتي راح ضحيتها أربعة مدنيين بعض المقولات التخوينية المتطرفة، من قبيل "شبيحة الأحزاب" او "مرتزقة الأحزاب"، الى جانب بعض المقولات الأخرى، الغاية منها الطعن في مصداقية الباقين، بما في ذلك المؤسسات والأحزاب القائمة، وهذا ان دل على شيء انما يدل على هشاشة الأرضية التي يقفون عليها، متناسين انهم بذلك يقدمون خدمات مجانية للجهات التي تعمل ليل نهار في سبيل اجهاض المشروع الكردي، فلو أن كل فرد منا التزم بما اختاره لنفسه لهان الأمر، لكن الواضح ان هؤلاء يستهدفون ما تبقى في سبيل إضفاء بعض المشروعية على هروبهم!!