الإسلام بين الشيعة والسنة
صالح محمود
من هم الشيعة؟ وماذا يريدون؟ الشيعة هم أتباع عليّ بن أبي طالب، فقد كانت هناك فئة من الناس تحبّ عليّاً وتناصره وتُشايعُه وهذه الفئة سمّيت الشيعة، أمّا الشيعة الحالية فهي شيعةٌ حسينية، وشيعة عليّ سُمّوا بالعلويين، لم يكن عليّ بن أبي طالب شيعياً ففي عهد النبي لم يكن هناك شيعة بالمعنى المذهبي الأيديولوجي بل كان هناك مجموعة مناصرين لعليّ ومؤيدين له فقط، لقد كان النبي محمد صاحب الرسالة نفسه موجوداً، وقد كان الإسلام دين الجميع والمنهج المشترك لكلّ المسلمين، ولكنّ المشكل كلّه جاء بعد وفاة النبي عليه السلام وتولّي أبي بكر الخلافة أو السلطة من بعد النبي حيث كان محمد بالإضافة إلى كونه رسولاً كان حاكماً وسلطاناً لمكّة والمدينة وما حولهما، وبعد وفاته بساعات بدأت مراسم تنصيب الحاكم الجديد في سقيفة بني ساعدة، وقد كان الأنصار هم من عقدوا هذا الاجتماع ورتّبوا له ولكنّهم لم يكونوا ديمقراطيين بالمعنى الكامل للكلمة، وانفردوا بهذا الأمر وحدهم دون المهاجرين، اجتهاداً منهم أنّ الحكم يجب أن يكون فيهم، فهم أصحاب المدينة وملاكو الأراضي، وهم مَن آوَوْا النبيّ وناصروه، وكانت لديهم مخاوفهم من وجود فراغ في السلطة ومن هيمنة المهاجرين وتفرّدهم بالحكم والخلافة، وقد كان المشهد على الشكل الآتي : عليّ والعباس وابنه الفضل وسلمان الفارسي والزبير والمقداد وطلحة وقلّة قليلة من المسلمين كانوا مشغولين بمراسم دفن النبي عليه السلام، أمّا الأنصار فقد بدؤوا يتجمّعون في سقيفة بني ساعدة وعلى رأسهم سعد بن عبادة سيّد الخزرج فيما كان عمر وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح مشغولين بتهدئة بعض الجماعات التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الردة، فخبرُ وفاة النبي لم يكن وقعُه على المسلمين بالأمر السهل، لقد كان كالصاعقة عليهم في شوارع وأزقّة المدينة، وعلمت هذه المجموعة - والتي كانت في مسجد النبيّ - باجتماع الأنصار في السقيفة فقصدوا الاجتماع، وعندما وصلوا إلى هناك - وقد كانوا من جهابذة وعباقرة المسلمين- تغير مسار الاجتماع أو المؤتمر الطارئ تماماً، وبعد نقاش وجدال حادٍ، أمسك عمر بيد أبي بكر وبايعه، وتمّ أخذ المبايعة من الحضور لصالح أبي بكر حيث ولدت اقتراحات متعددة ضمن الاجتماع بين المهاجرين والأنصار لم تكتمل ومنها اقتراح" منا أمير ومنكم أمير "
في هذا الاجتماع كان عمر حاداً وقاسياً، واستعمل القوة، وعنّف الحضور، وانسلّت السيوف من أغمادها عندما احتدّ الجدال، واتّهم عمر سيد الخزرج بالضعف وعدم القابلية لأن يكون خليفة لرسول الله في حين لجأ أبو بكر إلى استخدام فن الإقناع وقوّة الحجّة والفكر، وفي هذا الاجتماع كان الفوز للفكر والحجّة بمواجهة العنف المسلح. ولكن هناك أمور حدثت أثناء وجود عمر وأبي بكر في الاجتماع كانت لصالحهم وهي وصول مجموعة مسلحة من المسلمين موالية لعمر على مقربة من مكان الاجتماع ووصلت الرسائل والأنباء من هذه المجموعة إلى أسماع عمر بأن لا تبالي فنحن معك ونحن جاهزون للفتك بأي معارض وهذا الأمر قوّى من موقف عمر وأبي بكر والمهاجرين عموماً وأصبح موقعهم التفاوضي أقوى، وقد كانت هذه الميليشيا الواقفة في الخارج لها الدور الكبير في خلق نوع من التوازن بين المهاجرين والأنصار، وبالتالي رجحان كفة المهاجرين وتنصيب أبي بكر خليفة لرسول الله وأيضاً لا يغيب عن بالنا أن مرشح الأنصار سعد بن عبادة كان مريضاً وضعيفاً وعندما كان يتكلم في الاجتماع كان أحدهم يلعب دور مكبّر الصوت، ويكرر كلام سعد ليسمع الجميع ما يقوله ، وقد كان ضعفه ومرضه وانخفاض نبرة صوته سبباً في عدم فوزه بالخلافة، لأن السلطة دائما تستلزم القوة وتميل حيث تميل القوة، أما سعد فلم يكن ناقص عقل أو حجة ولكن ضعفه الجسدي خذله. وسعد الذي أراد أن يقوم بانقلاب، ويستولي على السلطة انقلبت عليه الأمور، وخسر الخلافة وأول من مد يده لمبايعة أبي بكر هو رجل أنصاري ومن ثم توالى الجميع بعد ذلك بالبيعة له
ما الذي حدث بعد ذلك ؟؟
اجتمع أبو بكر وعمر مع المسلمين في اليوم الثاني في المسجد لترسيخ الحكم وتأكيده، هذا أولاً...
ثانياً جماعة المشيعين لجنازة رسول الله أبدوا تذمرهم واستنكارهم لعدم مشاورتهم في تنصيب خليفة رسول الله واعتبروا أنفسهم من المهمشين وخرجت منهم أصوات تعترض على خلافة أبي بكر ولكنهم بايعوه على مضض، لم يحدد رسول الله خليفته عندما مرض وشعر باقتراب النهاية والأجل بل ترك الأمر مفتوحاً للمسلمين على أن يقرروا ما يناسبهم، وفي أثناء مرضه طلب عمه العباس من علي أن يكلمه بهذا الشأن شأن الولاية والخلافة، ولكن عليّاً الذي كان لديه رغبة قوية وأمل في الخلافة رفض الأمر قائلاً بما معناه : "قد تؤول الامور إلينا واذا سألناه فقد لاتؤول الأمور إلينا أبداً ،"فعلي لم يحسم الأمر لأنه كان لديه الشك ألّا يوليه رسول الله الخلافة من بعده خصوصاً بوجود منافسين أقوياء أمثال عمر وأبي بكر وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن عبادة وعثمان، وهؤلاء جميعاً وآخرون غيرهم كان لهم حظّ أوفر في تسلّم الخلافة من علي بن أبي طالب الذي كان شاباً في الثالثة والثلاثين من عمره وبعد وفاة النبي، لجأ علي إلى تذكير المسلمين بحوادث وأقوال قالها النبي فيما مضى من السنوات ومنها حديث غدير خم،" من كنت مولاه فعلي مولاه " وفي نفس الموقعة عندما كان النبي وأصحابه في طريق عودتهم من الحج من مكة إلى المدينة وقرب نبع يدعى خم، حيث قال النبي :"أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحثّ على كتاب الله ورغب فيه- ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي." وأيضاً حديث "علي مني وأنا منه وعلي ولي كل مؤمن بعدي ". وحديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها.." وقد تمسّك الشيعة بهذه الأقوال وحاججوا بهذه الأحاديث التي تستوجب ولاية علي وإمامته على المسلمين في حين أنّ السنة تفسر هذه الأحاديث على نحوٍ مختلف ،وهي أنّ هذه الأحاديث تُعلي من مكانة عليّ وأهل بيته ولكنّها لاتؤكد وجوب الخلافة فيهم وقد ورد عن علي إنه قال: لماذا تكون الخلافة في الصحابة ولا تكون في القرابة ؟" السنة تحججوا دائماً بأن النبي ترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين وإلا كان قد صرح به أثناء مرضه وقبل وفاته علناً، وعلى رؤوس الأشهاد، فمن وجهة نظر الشيعة إن النبي استخلف علي بن أبي طالب في غدير خم لإكمال الرسالة الإلهية وعلى نحو واضح و صارخ أمام ملأ من الحجاج المسلمين في حجة الوداع...و تمسك أهل السنة بـإجماع أهل الحل والعقد، لتسويغ خلافة أبي بكر وإعطائه المشروعية. وهناك تقارير عن وقائع ما بعد بيعة السقيفة تقول عندما بويع أبو بكرٍ يوم السقيفة، وجُدِّدت البيعة له على العامَّة، خرج عليٌ بن أبي طالب فقال لأبي بكر: "أفسدت علينا اُمورنا، ولم تستشر ولم ترع لنا حقّاً. فقال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة...ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتّى ماتت فاطمة رضي اللّه عنها". ،ونستخلص من هذا كله أن سبب ظهور الشيعة هو سبب سياسي محض في المقام الأول وأن هذا التيار أو التوجه ولِد وتشكّل لأسباب تتعلق بالسلطة وتوريثها، ومنذ ذلك الحين بدأ تياران وخطان بالتشكل خاصةً بعد خلافة علي ووفاته، تيار تسلّم الخلافة والسلطة وتيار آخر بقي معارضاً ومخفياً إلى حدٍ ما ونُكِّل به و التيار أو الخط الأول: خط الخلافة يبدأ من أبي بكر وعمر مروراً بالخلافة الأموية ومن بعدها العباسية والتيار الثاني تيار الإمامة يبدأ من علي ومن ثم ابنه الحسين وحفيده علي زين العابدين ومروراً بالإمام العسكري والكاظمي انتهاءً بمحمد المهدي، وقد تفرّعت الشيعة كثيراً، ولكن الشيعة الجعفرية أو الاثنا عشرية هي الفرع الأساسي والاقوى بين الشيعة، وتم إضفاء العصمة على هؤلاء الأئمة وخلال مسيرة الشيعة استطاع أئمتهم صياغة أيديولوجيا ومنهج خاص بهم حيث باتوا يختلفون عن السنة في أمور كثيرة كطريقة الصلاة والصيام وصياغة التشريعات لقد شكّل الشيعة خلال مسيرتهم التاريخية منهجهم الخاص بهم وحرصوا أن يكونوا مختلفين عن منافسيهم وخصومهم السنّة، ومغالو الشيعة بثوا العداء ضد السنة، وصدرت عنهم أقوال كثيرة تسيء الى عائشة زوجة النبي وأبي بكر وعمر، وتُغذي روح العداء ضد السنة بشكل عام، وقد آمن الشيعة على الدوام بأولوية بقاء الخلافة في آل بيت النبي أي علي وأولاده من بعده أي أنهم مع مبدأ توريث السلطة أو الخلافة مع أنهم كانوا شديدي القسوة على معاوية لأنه ورّث ابنه يزيد الخلافة، لذلك هم يؤاخذون على مبدأ الكيل بمكيالين مع أنه ورد في القرآن إن محمداً لم يكن أبا أحدٍ منكم إنما رسول الله ونبيه ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾..