النقد البنّاء والنقد الهدّام
محمد رجب رشيد
في الأوساط الأدبية يُقال: (لا أدب بدون نقد، بل النقد هو الذي يصنع الأدب)، يمكن تعميم هذه المقولة على الفلسفة، عِلم النفس، الفنون بِأنواعها، والتاريخ بغضّ النظر عن كونِه مُشرِّفًا أو مزوَّرًا أو أسوَدًا. النظام الداخلي لجميع الأحزاب يتضمّن النقد والنقد الذاتي. لا أحد من الناس معصوم عن الخطأ وبالتالي لن يكون خارج دائرة النقد، بعض الشركات الكُبرى تُموِّل أبحاثًا لِنقدِها بهدف تطوير أدائها والحفاظ على جودة منتجاتها، فالبعيد قد يرى الأمور بوضوح أكثر مِمّا يراها القريب، أكثر من ذلك الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانتْ) الذي قدَّس العقل طِوال حياته، ومن صِدقه في الدفاع عنه ألّف في آخر حياته كتاب بعنوان (نقد العقل المَحِض) ينقُد فيه التفكير العقلي الذي يُنكِر كل ما وراء العقل معتبِرًا ذلك أسلوب غير علمي.
النقد ليس غايةٍ بحدِّ ذاته، وإنّما هو أحد أهم وسائل تقويم السلوك والعدول عن الأخطاء ووضع الأمور في مسارها الصحيح، لولا النقد لما عرِفنا الأخطاء والتقصير، ولما بحثنا عن الحلول، لا إبداع جديد ما لم نشعر بقصور قديم، بمعنى أنّ كلّ أمر مهما يكُن، وكل شخص مهما علا شأنه قابلان للنقد، باستثناء صِغار السِن من الأطفال، يجب الامتناع عن نقدهم، والاكتفاء بتوجيههم وتصويبهم والثناء عليهم لرفع معنوياتهم.
قديمًا كانت النصيحة بِجَمل، بالطبع النصيحة لا تعني النقد، بل تُشير إلى تشجيع الآخرين على فعل ما، أو تحذيرهم من فعلٍ أو قولٍ ما، أمّا النقد فإنّه مسألة أخرى في غاية الأهمية، تجاهله سيؤدي حتمًا إلى تراكم الأخطاء وعدم الوعي بها وبالتالي تكرارها بدلًا من التعلُّم منها. إذا كان النقد بهذه الأهمية فلماذا يتهرّب الناس منه ويخافه، بل ويكرهه أيضًا؟ ولماذا لا تجد فيه الأغلبية حاجةً لها؟
الإنسان بطبعه يحِبُّ الإطراء والمديح، ويكره النصيحة والذّم، فكيف يمكِنه تقبُّل النقد مع هذا الطِباع؟ النقد هنا سِلاح ذو حدّين إمّا أن يكون بنّاءً يبني أو هدّامًا يهدم، ولكي يكون النقد بَنّاءًا ويُصبِح جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع لا بدّ من تهيئة الناس لِممارسته وتقبُّله ناقِدًا كان أم متلقّيًّا، وذلك بالتدريب عليه كَمَهارة من المهارات، انطلاقًا من ذلك أرى من الضروري إدراج النقد ضمن المناهج الدراسية بدءًا من المرحلة الإبتدائية.
ما يدعو الأسف بقاء النقد إلى الآن خارج دائرة الثقافة العامة لمجتمعاتنا، يعود ذلك لعِدِّة أسباب أهمُّها على الإطلاق الخلط بين النقد البنّاء والآخر الهدّام، مع العلم أنّ الأول يستهِدف السلوك دون الشخص، أمّا الآخر فإنّه يستهدف الشخص دون السلوك. إنّ التمييز بينهما من شأنه وضع النقد في مساره الصحيح، وتجنُّب الحساسية التي قد تحدث في حال افترض المتلقّي أنّ الناقِد يهدف تجريحه والنيل منه وليس تقويمه.
من الأهمية بمكان هنا إدراك الناقِد للفارِق الكبير بين النقد البنّاء والآخر الهدّام من حيث النتائج، والفارِق الصغير كالشَعرة التي تكاد لا تُرى بينهما من حيث المُمارسة، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى لا بدّ أن يكون النقد كالمرآة المستوية للناقِد والمتلقّي، كِي تريهما صورتهما الحقيقية، وليست كالمرآة المقعّرة تضخِّمهما أو كالمحدّبة تصغِّرِهما، ليس هذا فحسب بل على الناقِد أخذ المقولة التالية بعين الاعتبار قبل نقد الآخرين: (عارٌ عليك أن تنهى عن شيء وتأتي مثله، أو تدعو إلى شيء ولا تأتيه). هذا إنْ دلّ على شيء فإنّما يدلُّ على أهمية النقد الذاتي في تقبُّل النقد البنّاء من الآخرين.
لا شكّ أنّ النقد سهل ومُمتِع، أمّا نقد الذات فعلى الرغم من نِدرته فإنّه مسألةٌ في غاية الأهمية يحتاج الكثير من الشجاعة والصِدق مع النفس، من يمارِسه يسهل عليه أي مواجهة أخرى مهما كانت صعبة. نقد الذات بإصلاحها يمنح صاحبها القوة والثبات وتقبُّل نقد الآخرين برحابة الصدر.
من المُلاحظ أنّ قِلّة من الناس تُقدِّر أهمية نقد الذات في بناء الفرد والمجتمع، من بين تلك القِلّة الناجحون المنتقِدون لأنفسهم والباحِثون عمّن يُهدي إليهم أخطاؤهم -إنّ وجِدت- لتصحيحها وعدم تِكرارها. بالمقابل يرى البعض الآخر نفسه فوق النقد، يتفنّن في الوقت نفسه بتوجيه سِهام النقد لكل من حوله، والانتقاص من قيمة أي شىء يُقال له، يُعارض دائمًا لا لشيء، فقط لأجل إبداء الرأي المخالِف حتّى في الأمور التي لا تعنيه من قريب أو بعيد، أمثال هؤلاء كُثُر نجدهم في جميع الفِئات الاجتماعية. إذا كان الأمر هكذا فكيف السبيل إلى النقد البنّاء؟ ومتى يكون النقد هدّامًا؟
الأمر هنا يتعلَّق بالناقِد والمتلقّي بنفس السوية، لكي يكون النقد بنّاءً بأقل قدر من المشاعر السلبية وأكثر قدر من المشاعر الإيجابية يجب اختيار نبرة الصوت المناسِب والوقت والمكان المناسِبين، والتعمُّق في الأمر المراد نقده، والتركيز على السلوك الذي يستطيع الشخص المتلقّي تغييره أو الاستغناء عنه، وإظهار التعاطف مع المتلقّي وذِكر بعض محاسِنه قبل توجيه النقد إلى سلوكه، ويُفضّل تقديم البديل المناسب إن أمكن. بالمقابل على المتلقّي عدم اعتبار كلُّ نقدٍ طعنًا أو شذوذًا، بل يجب الردُّ عليه، لعلّ النقد في محلِّه والناقِد على صواب، أو العكس هو الصحيح. أمّا النقد الهدّام فإنّه شكل من أشكال التنمُّر، يتلّخص بالتعدّي على أعراض الناس وفضحِهم، والسخريَّة منهم وإظهار عيوبهم وتشويه سمعتهم، والطعن في نياتهم من غير حجُّة ولا بُرهان. أصحاب هذا النوع من النقد لا يذكرون فضائل أحد ولا حسناته، كلُّ همِّهم جمع عيوب الآخرين والنيل من كرامتهم بِسلاح النقد.
إنّ العودة إلى التاريخ ونقدِه لا تعني تشويهه أو النيل منه، وإنّما هو لأخذ العبِر واستخلاص الدروس منه بالدرجة الأولى، والاعتزاز به إن كان مُشرِّفًا، والتسامح معه إن كان مزوّرًا أو أسودًا، ولعلّ خير مثال على ذلك تمثال عبد الرحمن الداخل -مؤسس الدولة الأموية في الأندلس- على شاطئ غرناطة كَتعبير عن تصالح الشعب الإسباني مع تاريخه الأسود خلال ثمانية قرون. ويبقى التراث أولى بالدراسة والنقد، خاصةً وأنّه لا يتصِف بالقداسة. مِن خلال ما سبق يمكِنُنا اعتبار النقد البنّاء كالمَوتِ حقٌ مكروهٌ، وكالدواءِ المُرُّ لا غِنى عنه عند المرض، فلنتّخِذه وسيلةً للتصويب والتقويم.