العلاقات التركية السورية بين الإصرار الروسي واللاءات الأمريكية
دوران ملكي
يعد الوضع السوري من أعقد المشاكل في الشرق الأوسط حيث تدخلت فيها العديد من الدول ذات المصالح المتناقضة وأبواقها تزمجر، وكلٌ يبحث عن مصالحه، والغاية التي تدخل من أجلها في الوضع السوري، وليس من مصلحة أحد من هؤلاء أن يؤول الوضع باتجاه الحل الشامل.
تتجذر مناطق النفوذ يوماً بعد يوم بغية الوصول إلى الإستقرار السياسي والإقتصادي، ويبقى طريق جنيف غير سالك بسبب الضباب الكثيف رغم استمرار اللقاءات بين الوفود المتشكلة بإشراف أممي .
السياسة الحديثة هي سياسة المراوغة والدجل تحاول أقطابها الوصول إلى الأهداف بجميع الطرق الممكنة وهي تفتقد إلى الثوابت والوضوح في الرؤى، ويغلب التكتيك على الإستراتيجية والإستراتيجية بحد ذاتها غامضة لا يعرف عنها شيء سوى دهاليز وأقبية الدوائر الأمنية أو صناعي القرار الأساسيين، فترى خصوم الأمس أصدقاء اليوم والذئب يحضن الشاة، ويتخاوا الثعلب والديك، ويتخبط المشاهد والمتفرج من دهشته ويدخل في صراع داخلي بين ما يحدث وما يجب أن يحدث إلى أن يستسلم، ويعترف بأنه لايعرف شيء ولا يريد أن يعرف شيئاً.
يتصارع اللاعبون الأساسيون، وكلٌ يراهن على خطأ الآخر .يلتقون بحذر، ويصرحون بأن اللقاء كان بناءً، وإننا في الطريق الصحيح، وحقيقة الأمر لا يوجد تشابك في الآراء حتى في الخيال يرافقها تصريحاتٍ تهديدات الغاية منها إدخال الرعب في قلب الخصم ودفعه إلى التنازل .
ما يسمع اليوم من لقاءات بين تركيا ونظام الأسد برعاية روسية يأخذ المرء إلى خيالاتٍ بعيدة، ويتساءل بينه وبين نفسه ما فائدة هذه اللقاءات العقيمة؟ ما غاية الراعي منها وهل الغاية منها كسب الوقت ام إعادة العلاقات الإقتصادية نظراً للظروف السيئة التي يمر بها كلا الطرفين .
لكلٍ من تركيا وسوريا حلفاؤها التي يعتمد عليهم في إبتزاز الآخر، فعندما تدخلت تركيا في الوضع السوري عن طريق حزب الأخوان المسلمين والفصائل الإسلامية العسكرية رافقها تسليم الشمال والشمال الشرقي من سوريا إلى حزب الإتحاد الديمقراطي الموالي لحزب العمال الكردستاني من قبل النظام السوري، وهذه الحقيقة كانت واضحة وضوح النهار واليوم تجتمع الأطراف من أجل إعادة المياه إلى مجاريها . أليس هذا ضحك على اللحى؟
تعتمد سياسة أردوغان بعد مرور مائة عام على إتفاقيات الحرب العالمية الأولى على استرجاع ما فقدته الإمبراطورية العثمانية نتيجة التحالف الفرنسي البريطاني وطرد العثمانين من جميع المنطقة العربية بالإتفاق مع الشريف حسين في الحجاز وإلا إلى ماذا تشير التدخل التركي في الصومال والسودان ومصر وليبيا وشمال العراق وشمال سوريا والخليج وبناء أحلاف من الدول الناطقة بالتركية والتدخل المباشر في الحرب الأزربيجانية -الأرمينية والآن تتهيأ للدخول في الحرب الروسية الأوكرانية لصالح أوكرانيا ومحاولة انتزاع شبه جزيرة القرم ومولدافيا من روسيا على اعتبارهما جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وتم قتل وتشريد سكانها بالقوة؟
كيف تخرج تركيا من سوريا وتسلم مناطق نفوذها إلى نظام الأسد مقابل فقط دفع قوات سوريا الديمقراطية باتجاه الجنوب مسافة 30 كم وبالأساس تدخلت تركيا تحت هذه الزريعة وتريد أن تشرعن التواجد التركي عبر تعديل إتفاقية أضنه وبذلك تبقى الويلايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة التي لا تحمل وجودها صفة الشرعية وليتم الضغط عليها من قبل جميع الأطراف ليجبروها على الانسحاب ومن ثم تستولي تركيا على باقي مناطق الشمال السوري وتكسب روسيا جولة جديدة على الملعب السوري، وتقف في نفس الوقت أمام التمدد التركي جنوباً وليجبرها على عدم التدخل في الحرب الروسية الأوكرانية لأن المسيّرات التركية التي كانت تمتلكها أوكرانيا في بداية الحرب قد فعلت فعلتها، ويخشاها الروس حتى إن أحد المستشارين الروس صرح قبل عدة أيام وقال:
لانريدك أيها الإنكشاري أن تأتي إلينا ويقصد بها التدخل التركي لصالح أوكرانيا .
الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي تدخلت في سوريا دون إذن من أحد لا من أقطاب المعارضة ولا من النظام وإنما لملاحقة الإرهاب وإجتثاث جذوره وكما يصرحون فإن بقاءهم في سوريا مرهون بالقضاء على الإرهاب، وهو ما لايرى نهايته في الأفق إذ تتزايد عدد الخلايا النائمة للتنظيم في مناطق شرق الفرات بمحازاة مخيم الهول والذي يعتبر بحق قنبلة موقوته قابلة للإنفجار في أية لحظة . لذلك فإن بقاء القوات الأمريكية ضرورة لا بد منها كما صرحت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة ليس لهذا فقط بل لمواجهة التمدد الإيراني غرباً بإتجاه بيروت والبحر المتوسط عبر معبري الوليد والبوكمال وشرق الفرات لأنها تحتوي على عقد مواصلات مهمة يبحث عنها المحور العالمي الجديد المتمثل في ( الصين-روسيا-أيران- كوريا الشمالية)
تركيا تحاول إبتزاز الولايات المتحدة الأمريكية عبر استخدام ثقلها الجغرافي والسياسي والعسكري فتارةً تعارض انضمام السويد وفنلندة إلى الحلف الأطلسي تحت ذرائع واهية وتأتي في صالح روسيا التي تعارض توسع الحلف الأطلسي بالقرب من حدودها وتارة تريد فتح العلاقات مع نظام بشار الأسد المعزول عالمياً والخاضع للعقوبات الأمريكية والأروبية وفي مقدمتها عقوبات قيصر من أحل الحصول على مكاسب جديدة في الشمال والشمال الشرقي من سوريا وتخفف الضغط الأمريكي عن نفسها إثر صفقة s400 مع روسيا وطردها من مشروع طائرة الشبح الأمريكية F35 ومصادرة أموالها المشاركة والتي تحاول إستردادها عن طريق شراء 40 طائرة من طراز F16 وفي الوقت ذاته تضرب المعارضة التركية بأسلحتها وفتح معابر مع سوريا والإستفادة من أسواقها الخامة وفتح الطرق البرية إلى الأردن و دول الخليج كمتنفس لإقتصادها المنهار وحقناتٍ مهدئه لوضعها الداخلي قبيل الإنتخابات
والظهور بمظهر المنتصر على الصعد الدولية والمحلية والأقليمية والإستغلال الأمثل لموقع تركيا الجغرافي .
السؤال الذي يطرح ذاته: هل ستبقى الويلايات المتحدة الأمريكية مكتوفة الأيدي تجاه هذه التطورات؟
بالتأكيد لا!
الولايات المتحدة الأمريكية تجهز خارطة طريق جديدة للمنطقة وخاصة إنها تعي الدور التركي الهام دولياً وأقليمياً ولا يمكن التفريط بها وبالعلاقات التركية الأمريكية وستحاول إرضائها دون المساس بمصالحها لأهميتها في مواجهة أيران وروسيا والحفاظ عليها كدولة مهمة في الحلف الأطلسي ولا تتعامل أمريكا مع تركيا على إنها إلى الأبد أردوغانية فلربما الإنتخابات القادمة لا تكون في صالح حزب أردوغان ويتضمن خارطة الطريق وصايا معهد هدسون للأبحاث ويتألف من ست نقاط رئيسية وهي
١- توحيد منطقتي النفوذ الأمريكي والتركي في سوريا وبذلك تضرب أمريكا الجهود الروسية لتعويم نظام بشار الأسد.
٢-إخلاء مناطق شرقي دير الزور من قبل قوات سوريا الديمقراطية عبر فصل مجلس دير الزور العسكري عن قوات قسد وضمها إلى المعارضة السورية ومناطق من محافظتي الحسكة والرقة .
٣-توحيد الجهود في شمال غرب سوريا لمواجهة هيئة تحرير الشام وحث تركيا على تقويض نشاطها ومحاولة إحداث إنشقاقات وعزل الأشخاص الأجانب وطردهم وإنضمامها إلى الجيش الوطني الحر وإلا ستواجه المسيرات التركية والأمريكية .
٤-مواجهة التمدد الإيراني في سوريا بإتجاه البحر المتوسط ولبنان .
٥-تحصل تركيا على ضمانات من أمريكا بحماية أمنها على الحدود مع سوريا وذلك بإحداث تغيرات هيكلية في البنية العسكرية والإدارية في مناطق الإدارة الذاتية .٦-إعادة هيكلة الحكومة السورية المؤقته لتشمل كافة الفئات السياسية والعسكرية على الأرض .
لحل هذه الإشكالية مع تركيا تتوافد البعثات الأمريكية إلى تركيا ومناطق الإدارة الذاتية ويرافق هذا كله زيارة برت ماكورك إلى العراق وكردستان ومن ثم إلى مناطق الإدارة الذاتية والغاية من تحركاته هي إلى حانب مسألة الطاقة توصيل المنطقة الكوردية في سوريا والعراق إلى الإستقرار فهو يعمل على بناء المصالحات بين الأطراف الكوردية وتهيئة المنطقة للاستثمارات الخارجية لتساهم في حل أزمة الطاقة عالمياً .
إن جميع الجهود سوف توجه بإتجاه تصحيح الوضع الداخلي وسد جميع الثغرات الموجودة لضمان عدم إستضام حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية على الأرض ومحاولة حل الخلافات بين الخزبين الرئيسيين في كوردستان العراق والمجلس الوطني الكوردي وأحزاب الوحدة الوطنية في كوردستان سوريا وامكانية إنشاء علاقة بين المعارضة السورية وقوات سوريا الديمقراطية وعزل الأخيرة عن المحور الإيراني السوري وحزب العمال الكوردستاني بالتعاون مع تركيا .