الثّقافة والمققّف
محمد رجب رشيد
تُعدُّ الثّقافة إحدى أهم معايير الرُقيّ التي يتميّز بها شخص عن آخر ضمن المجتمع الواحد، ومجتمع عن آخر بالثّقافة العامّة التي تتضمّن منظومة القِيَم المتأصِّلة فيه والأفكار والرموز ذات المغزى، والتي تطوّرت عبر التاريخ وانتقلت من جيلٍ إلى آخرٍ.
تحتضن الثّقافة طيفًا واسعًا يمتد من التُراث والمعالِم الأثرية التاريخية التي يعتَّز بها العالم أجمع إلى المتاحف وأشكال الفن المعاصر، تارِكًة بصمتها في حياتنا بطُرقٍ لا حصر لها، وتساعدنا في بِناء مجتمعات مبدِعة قادِرة على التأقّلم مع جميع الظروف والتصدّي لِتحديات المستقبل.
إنّ تعريف الثّقافة المتداول في الأوساط التي تدّعي الثّقافة: (معرِفة شيء عن كل شيء، ومعرِفة كل شيء عن شيء ما) هو تعريف ساذج وناقص يُشير إلى تسطيح الثقافة، وإنّ عِبارة -معرِفة كُل شيء عن شيء ما- هي اختصاص في مجال ما لا يمُتّ إلى الثّقافة بِصِلة.
الثّقافة مصطلح شامل لا يقتصِر على جمع المعلومات وحفظِها، لأنّها قيمة إجتماعية عُليا تخصُّ الأفراد والجماعات. رغم أهميّة المعرِفة إلّا أنّها تبقى عاجِزة وحدها عن إنتاج الثّقافة دون توظيفها في الحياة والسلوك اليومي، الأمر الذي يُؤكِّد أهمية التفاعل مع الآخرين من أبناء المجتمع الواحد، فالشخص المنعزِل مهما كانت لديه معلومات لا يُعتبر مثقفًا.
أوّل من عرّف الثّقافة العامّة هو عالِم الاجتماع الفرنسي تايلور في نهاية القرن الثامن عشر حيث قال: (الثّقافة هو ذلك المُركّب المعقّد الّذي يتضمّن العقيدة، المعرِفة، الأخلاق، الفن، العادات والتقاليد، بالإضافة إلى المهارات التي يكتسبها الإنسان باعتباره فرداً في المجتمع).
من الجدير بالذِكر هنا أنّ الثّقافة لا تعني الحضارة بأي شكل من الأشكال، إلّا أنّ التراكُم الثّقافي يساعد على بنائِها، تمامًا كالهواء الذي يساعد على إشعال النار دون أن يكون جزءًا منها، فالحضارة كما نعلم تقوم على عِدّة دعائم ليس من بينها الثّقافة، أهمها -بالإضافة إلى القوانين- التكنولوجيا، الاختراعات والاكتشافات، بينما الثّقافة تشير إلى القِيَم الرمزية لأنشِطة الإنسان كالقراءة والكِتابة والأخلاق والسلوك الحسن مع الآخر المختلف. كذلك فإنّ الثّقافة ليست علمًا من العلوم، بل هي طريقة تفكير ونمط حياة يتلخّصان في فن التعامل مع الآخرين.
تختلِف الثّقافة من مجتمع إلى آخر باختلاف مكوِّناتها المذكورة سابقًا، بمعنى إذا كانت الثّقافة من صنع الإنسان فمن الطبيعي أنْ تختلف من مجتمع إلى آخر، ليس هذا فحسب بل يصِل الأمر إلى الاختلاف ضمن المجتمع الواحد طِبقًا للمستوى الاجتماعي والظروف المحيطة، كما أنّها تتنوّع بتنوُّع البيئة، فثقافة أبناء الأرياف ليست كثقافة أبناء المدن، وثقافة أبناء الصحراء ليست كثقافة أبناء الواحات. من هنا جاء اختلاف الثّقافات باختلاف الزمان والمكان، بحيث يُمكِن التّنبّؤ أحيانًا بما سيتصرّف به أفراد ثقافة معينة في موقف معيّن.
تأتي أهمية الثّقافة من كونها تشكِّل الوِجدان الفردي الدافع لسلوك الأشخاص نحو الخير، والوِجدان الجمعي الذي يدفع المجتمعات للتواصل مع نظيراتها في العالم. أمّا خصائص الثّقافة العامّة فإنّ الإنسانية تأتي في مقدِّمتها كونِها تتعلّق بالإنسان -فرد أو جماعة- سلوكاً وصُنعًا دون أنْ تكون حِكرًا على أحد، وقابلية التطوّر والنمو، وإمكانية الانتقال من جيل إلى آخر، وعدم إمكانية التوريث لأنّها قيمة مكتسبة من قِبَل الإنسان الفرد وغير موروثة ولا تُورَث. هنا يبرز إلى السطح تساؤُل مهم هو: كيف نعرِف المثقّف الحقيقي من الذي يدّعي الثّقافة؟ وما هو بِمثقّف؟
الثّقافة بالأصل بِناء تربوي يبدأ بالفِكر -باعتبارِها أداة تفاعل مع المحيط للوصول إلى معرِفة المجهول- وينتهي بِتهذيب النفس والسلوك، وبينهما المعرِفة. والمثقّف الحقيقي هو الشخص الذي يملك بُعد نظر وقُدرة على تقديم وجهة نظر مميّزة وعميقة في جميع المجالات، يتقبّل النقد والرأي الآخر المختلف دون التعصُّب لرأيه، يلتزم بكل ما هو منطقي، يقرأ كل ما يقع بين يديه، ويحرص على متابعة مختلف أنواع البرامج الوثائقية لِيزداد عِلمًا ومعرفةٍ، يساهِم في تقويم المجتمع وترسيخ القِيَم، ويعتبِر نفسه مسؤولًا عن النهوض بالأمّة.
بينما مُدعيّ الثّقافة (المثقّف المُزيّف) فإنّه يساهِم عن عِلم أو عن جَهل في هبوط الذوق العام للثّقافة، وبنفس الوقت يُبرِئ نفسه بإلقاء اللَوم على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. لا يلتزِم بآليات الحِوار البنّاء، يتعصّب لرأيه، يهتم بالشكلِّيات دون المضمون، هدفه الشُهرة بأي ثمن وبأي وسيلة كَحضور الأمسيات الأدبية أو الثقافية دون التفاعل معها أو المشاركة في نِقاشها، بل فقط لأخذ الصُوَر ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، يرى في نفسه الصواب الدائم وفيمن سِواه الأخطاء فقط، نقده جارِح، يمقُط انتشار العلم ويريده حكرًا على نفسه فقط.
باختصار يبحث عن الشُهرة، ويتناسى أنّ الشُهرة مجدٌ كاذِبٌ.
ما أكثر المثقّفين المزيّفين، وما أقلُّ المثقّفين الحقيقيين في هذا الزمان!!