قراءة في واقع روج آفاي كوردستان
كلستان بشير الرسول
حين ننظر إلى واقع روج آفاي كوردستان الآن، وبعد مضي عقد ونيف من استنزاف واستغلال لمشاعر الحمية الكوردية، والقوة والطاقة لدى شباب وشابات الكورد في معارك ضارية مع أشرس عدو للإنسانية (داعش)، وفي مناطق لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ حيث سقط عشرات الآلاف منهم شهداء وقرابين لحماية تلك المناطق وأهلها، ومن دون ضمانات من حليفهم الأمريكي أو غيره لضمان حقوق الكورد في سوريا الجديدة.
فكما هو جليّ، لم يكن لـ PYD أي مشروع قومي كوردي، كما صرّح بذلك قادتهم ومسؤولوهم مرارًا وتكرارًا وعلى الملأ، بل نادوا بإخوّة الشعوب، والتي مُنيت نتائجها فيما بعد بالفشل الذريع.
السؤال الذي يطرح نفسه، بعد انهيار نظام بشار الأسد الفاشي، وتولّي الحكومة المؤقتة رئاسة الجمهورية السورية في دمشق: ما الذي تغيّر في حياة الكورد السوريين؟ وماذا تحقق لهم بعد كل تلك التضحيات الجسام، ومشاركتهم الفاعلة في الثورة السورية منذ البداية وحتى وقتنا هذا، في الداخل والخارج؟
وما هي الإنجازات العظيمة التي يتحدث عنها حزب PYD والإدارة الذاتية وغيرهم من أتباعهم، جرّاء عقد عدة اتفاقيات مع حكومة دمشق المؤقتة، وفي الخفاء؟
إن ما تحقق على أرض الواقع هو تولّي عدد من رفاقهم بضعة مناصب إدارية، وأصبحت اللغة الكوردية تُدرَّس كلغة اختيارية في المناطق الكوردية. أمّا الوضع في روج آفاي كوردستان فقد بقي على ما هو عليه، بل ازداد من سيئ إلى أسوأ، وازداد الامتعاض والاستياء الجماهيري، خاصة بعد انسحاب قسد من كافة المناطق التي كانوا يديرونها، والتي سُفكت فيها دماء شباب الكورد.
لقد بات من حق الشعب أن يسأل الإدارة الذاتية، بجناحيها العسكري والإداري: أي انتصار هذا؟ وقد تركتم مصير آلاف الشباب والشابات الكورد مجهولًا بين الأسرى والقتلى والمفقودين، وقد درتم لهم ظهوركم وكأنهم لا يعنون لكم شيئًا.
أهذا هو الانتصار؟ وقد تهجّرت عشرات الآلاف من العوائل الكوردية من بيوتها ومدنها، وتوجهت إلى منطقة الجزيرة، واكتظت بهم المدارس والجوامع وغيرها في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
أي انتصار تزعمونه، وأنتم لم تثبتوا في كافة اتفاقياتكم مع حكومة دمشق الثوابت الأساسية للقضية الكوردية، كالحزام العربي والحقوق السياسية والثقافية إلا ما ندر، وهي الحقوق التي ناضل من أجلها الشعب الكوردي وحركته السياسية لما يناهز الستة عقود من الزمن، ودفع من أجلها كل غالٍ ونفيس.
أليس من المفروض، وبعد انعقاد مؤتمر الوحدة الوطنية الكوردية المنعقد في مدينة قامشلو، ألا تعقدوا أي اتفاق مع الحكومة المؤقتة من دون مشاركة الطرف الكوردي الآخر؟ لأن القضية قضية شعب بأكمله، ولستم المخوّلين الوحيدين لتقرير مصير هذا الشعب.
وبالنسبة للمعتقلين الكورد في سجونهم ومعتقلاتهم، ألم يكن يتوجب عليهم إطلاق سراحهم؟ ألم يكن إخوانهم الكورد هم الأجدر بالحرية من الدواعش الذين أطلقتم سراحهم؟
أليس من واجبهم أن تؤمّنوا أبسط مقومات العيش من الماء والكهرباء ومستلزمات الحياة الضرورية للمواطنين الكورد، باعتباركم من تستثمرون ثروات المنطقة بأكملها من نفط وغاز ومحاصيل زراعية، فضلًا عن الضرائب وعائدات المعابر الحدودية التي تتقاضونها؟
ألم يكن الشعب هو الأجدر بهذه الأموال الطائلة التي ذهبت هباءً في حفر الخنادق والأنفاق وغيرها؟
وهنا نود أن نحذّر هؤلاء: إذا ما استمروا في هذه السياسة، ووجدوا أنفسهم الوحيدين في تقرير مصير الشعب الكوردي في روج افاي كوردستان، وفي الغرف المظلمة دون شفافية ووضوح، بزعم أنهم من قدّم عشرات الآلاف من الشهداء؛ فإننا نقول إن هؤلاء الشهداء هم أبناء هذا الشعب، وهو الأولى بتقرير مصيره بنفسه، والعيش بحرية وكرامة على أرضه، ونيل حقوقه المشروعة بعيدًا عن الأيديولوجيات والفلسفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
الشعب مستاء، وغاضب، ومجروح؛ فحذارِ حذارِ من غضبه وثورته. فكما فرش البساط من تحت أقدامهم، سيسحبه بكل تأكيد إن قرر وأراد. والتاريخ شاهد على كل شيء٠