نوروز… عيد الانتصار ووحدة المشاعر السورية

نوروز… عيد الانتصار ووحدة المشاعر السورية

فاضل دللي

نوروز، العيد القومي للشعب الكردي، ليس مجرد مناسبة تقويمية تتكرر كل عام، بل هو يوم تاريخي عميق الدلالة، يحمل في جوهره معاني الانتصار للحق، والثورة على الظلم، وتجدُّد الأمل بالحياة والحرية. إنه يوم انتصرت فيه الإرادة الإنسانية على القهر، وانبعثت فيه شعلة النور لتكسر عتمة الاستبداد، فصار رمزًا خالدًا للكرامة والعدل والحرية.
يرتبط نوروز في الذاكرة الكردية بأسطورة كاوا الحداد، ذلك الثائر الذي انتفض بوجه الطغيان، وأسقط رمز الظلم، وأشعل النار على قمم الجبال إعلانًا لانتصار الحق على الباطل. ومنذ ذلك الحين، تحولت النار في نوروز إلى رمز للنور الذي يهدي الشعوب، وللقوة التي تولد من رحم المعاناة، وللبداية الجديدة التي تتجدد مع كل ربيع.
على امتداد التاريخ، شكّل نوروز محطة نضالية وثقافية للكرد، حافظوا من خلالها على هويتهم، ولغتهم، وذاكرتهم الجماعية، رغم محاولات الإقصاء والتهميش. فكان العيد فعل وجود، وإعلان حياة، وتمسكًا بالجذور، وإصرارًا على المستقبل. لكنه في الوقت نفسه لم يكن يومًا منغلقًا أو إقصائيًا، بل حمل قيمًا إنسانية جامعة، تتجاوز القومية الواحدة لتخاطب كل من يؤمن بالحرية والعدالة.
من هنا، تبرز أهمية أن يكون نوروز عيدًا لكلّ السوريين، لا للكرد وحدهم. فسوريا بلد غني بتنوعه القومي والديني والثقافي، وهذا التنوع كان وسيبقى مصدر قوة إذا ما بُني على أساس الشراكة والاعتراف المتبادل. إن تحويل نوروز إلى عيد وطني سوري، هو اعتراف بقيم الحرية التي يمثلها، وبمظلومية تاريخية عانى منها جزء أصيل من الشعب السوري، وهو خطوة رمزية مهمة باتجاه تعزيز وحدة المشاعر والانتماء المشترك.
إن الأعياد الوطنية الحقيقية ليست تلك التي تُفرض بقرار، بل التي تنبع من وجدان الناس، وتعبّر عن آمالهم وآلامهم. ونوروز، بما يحمله من رمزية الانتصار على الظلم، قادر على أن يكون عيدًا جامعًا للسوريين جميعًا، عربًا وكردًا وسريانًا وآشوريين وتركمانًا، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين.
في زمن تحتاج فيه سوريا إلى ترميم الثقة بين مكوّناتها، وإلى إعادة بناء العقد الوطني على أسس جديدة من العدالة والمساواة، يأتي نوروز كفرصة معنوية وثقافية لتجديد العهد على العيش المشترك، وعلى أن يكون الانتصار للحق هو البوصلة التي تهدي الجميع. فكما يعلن الربيع في نوروز بداية حياة جديدة، يمكن لسوريا أن تعلن فيه بداية مرحلة جديدة، عنوانها الشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل.
عاش نوروز، رمز الحرية والانتصار.
وعاش انتصار الحق على الباطل.
ولتكن شعلة نوروز نورًا يضيء درب السوريين جميعًا نحو وحدة المشاعر، ووحدة الوطن، ووحدة المستقبل.