شرقي كوردستان في مرحلة ما بعد خامنئي..بين السيناريو السوري وإرث جمهورية مهاباد

شرقي كوردستان في مرحلة ما بعد خامنئي..بين السيناريو السوري وإرث جمهورية مهاباد

أحمد آلوجي

شكّلت التطوُّرات الأخيرة في سوريا صدمة للكورد عموماً، حيث تقلّص وضعهم السياسي من مشروع وطني طموح إلى إدارة محلية محدودة الصلاحيات، في مشهد أعاد إلى الأذهان هشاشة المكاسب الكردية عندما تفتقر إلى العمق الاستراتيجي والإرث النضالي المتجذّر. ومع الحديث عن مرحلة ما بعد المرشد الإيراني علي خامنئي، يبرز سؤال مصيري: هل ينتظر الكرد في شرق كوردستان (كوردستان إيران) المصير نفسه، أم أن خصوصية تجربتهم بامتدادها التاريخي من جمهورية مهاباد 1945 إلى اليوم، ووحدة جغرافيتهم، واستمرارية حركتهم المسلحة، سترسم مساراً مغايراً نحو حكم ذاتي متمايز؟
تمتاز القضية الكردية في إيران عن نظيرتها السورية بثلاثة أبعاد جوهرية تشكل "ثقلها التاريخي". أولها: عمق التجربة الوطنية وتجسيدها في جمهورية مهاباد التي أُعلنت في 22 يناير 1946، وشكلت سابقة فريدة تم خلالها تأسيس كيان كردي شبه مستقل له رئيس وحكومة وجيش وعلم خاص. لم تكن مهاباد مجرد انتفاضة عابرة، بل تجسيداً ملموساً للحلم الوطني، وإرثاً نضالياً تناقله جيل بعد جيل.
ثانيها: استمرارية العمل الحزبي والعسكري. فبينما كانت الحركة الكردية في سوريا تعاني تهميشاً وتشرذماً لعقود، حافظت الأحزاب الكردية الإيرانية، وفي مقدّمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (تأسس 1945)، على استمرارية نضالية سياسية وعسكرية، خاضت خلالها معارك ضد نظام الشاه ثم ضد نظام الملالي بعد ثورة 1979، ما أكسبها خبرة تراكمية وخزيناً نضالياً. صحيح أن ثقلها العسكري الحالي محدود وأن قواتها تتواجد خارج الجغرافيا الإيرانية (في إقليم كوردستان)، إلا أن احتفاظها بالحالة العسكرية يمنحها ورقة ضغط واستعداداً لسيناريو الانهيار المحتمل.
ثالثها: وحدة الجغرافيا والتمايُز القومي. تتميز مناطق كوردستان الإيرانية (محافظات كوردستان، كرمانشاه، غرب أذربيجان، إيلام) بوحدة جغرافية مترامية تشكل امتداداً طبيعياً لعمق كردي يمتد إلى تركيا والعراق، وهذا التمايُز الجغرافي المدعوم بتركيبة سكانية متجانسة يجعل فكرة الحكم الذاتي أكثر قابلية للتطبيق مما هي عليه في سوريا حيث التوزع الجغرافي المعزول.
يمثل مقتل خامنئي، في ظل الظروف الراهنة، لحظة استثنائية ربما تكون الأكثر حسماً منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. فالحديث عن فراغ سلطة محتمل يصبح أكثر تعقيداً في ظل صراعات النخب الداخلية ونفوذ الحرس الثوري والضغوط الخارجية. هذا الوضع يمنح الحركة الكردية في إيران فرصة تاريخية لدخول معادلة إعادة ترتيب البيت الداخلي في إيران. وقد أدركت الأحزاب الكردية ذلك مبكراً، ففي خطوة لافتة، أعلنت خمسة تنظيمات كردية كبرى في فبراير 2026 عن تشكيل "جبهة موحدة" تستعد لمرحلة ما بعد النظام، وتضع على رأس أولوياتها حق الشعب الكردي في تقرير مصيره.
لا يمكن قراءة المستقبل دون استحضار التجربة الأقرب والأكثر نجاحاً للكورد في المنطقة: إقليم كوردستان فما تحقق في أربيل قام على أسس متينة من النضال والتفاوض، وفي مقدمتها اتفاق 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والزعيم الكردي الملا مصطفى بارزاني. هذا الاتفاق مثّل أول اعتراف رسمي من دولة عربية بالحقوق القومية للكورد، إذ نصّ على إنشاء منطقة حكم ذاتي في المناطق ذات الغالبية الكردية والاعتراف باللغة الكردية وتمثيل الكورد في السلطة المركزية. رغم انهيار الاتفاق لاحقاً بسبب سوء النوايا والتدخلات الخارجية، إلا أنه أرسى مبدأ "الحكم الذاتي" كخيار قابل للتفاوض. لاحقاً، وبعد حرب الخليج 1991، تمكّن الكورد في جنوبي كوردستان من تحويل هذا المبدأ إلى واقع ملموس تحت الحماية الدولية. العبرة المستفادة هي أن التاريخ النضالي لا يكون "شفيعاً" بمفرده، بل يجب أن يُستثمر في اللحظة المناسبة وبالتحالفات المناسبة.
يبقى السؤال حول شكل الكيان الكردي المنشود في إيران مفتوحاً. السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ضوء التجارب الإقليمية واستحالة تغيير الحدود الدولية في المدى المنظور، هو السعي إلى نموذج إداري وسياسي مشابه لإقليم كوردستان: كيان يتمتع بسلطات واسعة وحكومة محلية وقوات أمنية خاصة ضمن عقد اتحادي أو فيدرالي مع الدولة الإيرانية الجديدة، إذا ما سقط النظام الحالي أو تحوّل. وهذا يتطلب أن ينجح التحالف الكردي في تقديم نفسه كشريك موثوق في صياغة إيران المستقبل، وليس كطرف انفصالي.
ما بين ساحة جوار جرا في مهاباد حيث أُعدم قاضي محمد، وحيث أُعلنت الجمهورية قبل 80 عاماً، تمتد قصة نضال كردي إيراني متجذر. أمام الكورد في شرق كوردستان اليوم فرصة تاريخية قد لا تتكرر. الفارق بين مصيرهم ومصير نظرائهم في سوريا لن تحدده فقط قوة الذاكرة التاريخية أو الجغرافيا الموحدة، بل قدرتهم على الحفاظ على وحدتهم المستجدة، وذكاؤهم في استثمار لحظة الفراغ المرتقبة في طهران، وقدرتهم على تسويق مشروعهم كجزء من حل شامل لإيران ما بعد خامنئي. إذا نجحوا في ذلك، قد يتحول إرث مهاباد من حلم خسر إلى نبراس يضيء الطريق نحو كيان كردي متمايز في إيران.