التمييز المفاهيمي بين «الشعب الكردي» و«المكوّن الكردي» و«المجتمع الكردي»

التمييز المفاهيمي بين «الشعب الكردي» و«المكوّن الكردي» و«المجتمع الكردي»

شادي حاجي

يثير استخدام مصطلحات «الشعب الكردي» و«المكوّن الكردي» و«المجتمع الكردي» إشكالية مفاهيمية ذات آثار قانونية وسياسية مباشرة، ولا سيما في السياقات الدستورية المتنازع عليها. فالخلط بين هذه المفاهيم لا يقتصر على مستوى التعبير اللغوي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المركز القانوني للجماعة المعنية وحدود حقوقها.
تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك هذه المصطلحات في ضوء القانون الدولي العام والنظرية الدستورية المقارنة، وبيان انعكاساتها التطبيقية في الحالة السورية.
أولاً: مفهوم «الشعب» وحق تقرير المصير
يُعد مفهوم «الشعب» من المفاهيم التأسيسية في القانون الدولي، لارتباطه المباشر بمبدأ حق تقرير المصير المنصوص عليه في العهدين الدوليين لعام 1966. ويُفهم «الشعب» بوصفه جماعة بشرية تتوافر فيها عناصر موضوعية (اللغة، الثقافة، التاريخ، الارتباط بإقليم) وعناصر ذاتية تتمثل في الوعي القومي والإرادة السياسية المشتركة.
الاعتراف بجماعة ما كشعب يرتب نتائج قانونية جوهرية، من أبرزها:
حق تقرير المصير الداخلي؛ المشاركة التأسيسية في صياغة النظام الدستوري؛ الاعتراف بالهوية القومية كلغة وثقافة ومؤسسات؛ إمكانية اعتماد صيغ فيدرالية أو لامركزية سياسية.
وقد تجسد هذا الفهم دستورياً في دستور العراق لعام 2005، الذي أقر بالطابع التعددي للدولة واعترف بوجود إقليم كوردستان ككيان فيدرالي يتمتع بصلاحيات دستورية محددة.
وعليه، فإن توصيف الكرد بوصفهم «الشعب الكردي» يضعهم في موقع قانوني تأسيسي داخل الدولة، لا في مرتبة جماعة ثقافية فحسب.
ثانياً: «المكوّن» بين الاعتراف الإداري ونفي الصفة التأسيسية
لا يُعد مصطلح «المكوّن الكردي» مفهوماً قانونياً مستقلاً في القانون الدولي، بل هو توصيف سياسي–إداري يُستخدم في إدارة التنوع داخل الدولة الموحدة. وهو يحيل إلى جماعة إثنية أو ثقافية تُعد جزءاً من الشعب العام للدولة، دون أن تُمنح صفة "شعب" قائم بذاته.
ويترتب على هذا التوصيف الاكتفاء بـ: حماية الحقوق الثقافية واللغوية؛ حظر التمييز؛ ضمان التمثيل السياسي؛ إدماج الجماعة ضمن البنية الإدارية للدولة.
وهكذا، فإن الانتقال من توصيف "الشعب" إلى "المكوّن" يعني عملياً الانتقال من إطار حق تقرير المصير إلى إطار حماية الأقليات، بما ينطوي عليه ذلك من خفضٍ في مستوى الاعتراف القانوني.
ثالثاً: "المجتمع" كمفهوم سوسيولوجي
أما مصطلح «المجتمع الكردي» فيحمل دلالة اجتماعية–سوسيولوجية، تشير إلى البنية الديموغرافية والاقتصادية والثقافية لجماعة معينة داخل الدولة. غير أن هذا المفهوم لا يُنتج بذاته مركزاً قانونياً خاصاً، ولا يرتب صفة تأسيسية أو حقاً سياسياً جماعياً. ومن ثم، فإن استخدامه في سياق النقاش الدستوري يُفضي غالباً إلى تجريد المسألة من بعدها القومي وتحويلها إلى قضية سياسات عامة أو حماية حقوق فردية.
رابعاً: تطبيق على الحالة السورية
في السياق السوري، تكتسب هذه التمييزات أهمية مضاعفة، نظراً لتعريف الدولة لنفسها تاريخياً بوصفها جزءاً من الفضاء العربي، كما كرّسته معظم الدساتير السورية المتعاقبة. هذا التعريف يعكس تصوُّراً أحادياً لهوية الدولة، لا يتضمن اعترافاً صريحاً بتعددها القومي.
ضمن هذا الإطار، يُستخدم توصيف «المكوّن الكردي» في الخطاب الرسمي أو السياسي لتأكيد وجود الكرد كجماعة اجتماعية أو ثقافية، مع إبقاء المسألة ضمن حدود إدارة التنوع. أما توصيف «الشعب الكردي» فيفترض إعادة النظر في طبيعة العقد الدستوري ذاته، بحيث تقوم الدولة على شراكة قومية متعددة، وهو ما يفتح المجال أمام نماذج كاللامركزية السياسية أو الفيدرالية.
وعليه، فإن الخلاف حول المصطلح في الحالة السورية لا ينفصل عن الخلاف حول هوية الدولة وبنيتها الدستورية.
كما أن التكرار غير الواعي للمصطلحات قد يُسهم في إفراغها من مضمونها القانوني، أو في خلق التباس داخل الحاضنة الاجتماعية بشأن طبيعة المطالبة وحدودها. ومن ثم، فإن المسؤولية الفكرية والسياسية تقتضي مقاربة هذه المفاهيم بقدرٍ عالٍ من الدقة، إدراكاً لكون المصطلح في السياقات التأسيسية ليس أداة توصيف فحسب، بل أداة تحديد لموقع الجماعة في بنية الدولة ومستقبلها الدستوري.
خاتمة
يتضح من التحليل أن الفروق بين «الشعب الكردي» و«المكوّن الكردي» و«المجتمع الكردي» ليست فروقاً شكلية، بل تعكس تصورات متباينة لطبيعة الدولة وموقع الجماعات القومية داخلها. فمصطلح «الشعب» يرتب مركزاً قانونياً تأسيسياً قائماً على حق تقرير المصير، بينما يحصر مصطلح "المكوّن" الاعتراف في نطاق ثقافي–إداري، ويُبقي مفهوم "المجتمع" في دائرة الوصف السوسيولوجي.
إن الصراع على المصطلحات هو في جوهره صراع على تعريف من يُعد شريكاً في تأسيس الدولة، ومن يُدرج بوصفه مجرّد جزء من بنيتها الاجتماعية. ومن ثم، فإن الدقة المفاهيمية ليست شأناً لغوياً، بل مسألة دستورية تمسّ طبيعة العقد السياسي ذاته وحدود الاعتراف المتبادل بين مكونات الدولة.
وإلى مستقبل أفضل.