الكوجرات… ذاكرة المكان وهوية الإنسان

الكوجرات… ذاكرة المكان وهوية الإنسان

ماجد رمو

في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، حيث تتشابك الجغرافيا بالهوية، تقع منطقة الكوجرات بوصفها واحدة من المناطق الكردية التي حافظت على خصوصيتها الثقافية والوطنية رغم تعاقب التحولات السياسية والاقتصادية. ليست الكوجرات مجرد رقعة جغرافية، بل حكاية جماعية تختصر تاريخاً من الانتماء، والنضال، والتشبث بالأرض.

الموقع والجغرافيا
تتبع منطقة الكوجرات إدارياً لريف مدينة ديريك (في غرب كوردستان) وتعتبر بوابة غرب كوردستان الشرقية، وتضم عدداً من البلدات والقرى الكردية المعروفة التي شكّلت نواة الاستقرار البشري في المنطقة، من أبرزها: قرى كري كوجر، كرباوي، تل علو، خانا سري، سيكر، قصر ديرنا، وبانديك، إضافة إلى تجمعات ريفية صغيرة منتشرة حول السهول الزراعية.

تتميز المنطقة بطبيعتها الريفية المفتوحة، حيث تمتد السهول الخصبة وتتخللها تلال منخفضة ومواقع طبيعية شكّلت عبر الزمن مصدر رزق للسكان ومتنفساً اجتماعياً لهم. كما أن موقعها الحدودي أكسبها أهمية استراتيجية، وجعلها في تماس دائم مع التحولات السياسية والاجتماعية في عموم المنطقة.

الجذور السكانية والهوية الثقافية
يقطن الكوجرات أبناء المجتمع الكردي الذين حافظوا على لغتهم ولهجتهم وعاداتهم الاجتماعية جيلاً بعد جيل. الثقافة هنا متوارثة شفاهياً: في الأغاني الشعبية، والأمثال، وطقوس المواسم الزراعية، واللباس التقليدي. كما لعبت المرأة دوراً محورياً في صون التراث، من خلال حفظ الأغاني، وإعداد الأطعمة التقليدية، ونقل الذاكرة الجمعية داخل الأسرة.

الكوجرات والنضال السياسي
ارتبط اسم الكوجرات، كما سائر المناطق الكردية في سوريا، بتاريخ طويل من الوعي القومي والنضال السياسي. لم يكن هذا النضال فعلاً حزبياً صرفاً، بل موقفاً شعبياً متجذراً في الدفاع عن الهوية واللغة وحق الوجود. وقد عُرفت المنطقة بتعاطفها الواضح مع قضايا الشعب الكردي في عموم كردستان، وبوقوفها المعنوي والسياسي إلى جانب الحركات التحررية.

-الوقوف إلى جانب الملا مصطفى البارزاني
احتلت شخصية القائد الكردي الملا مصطفى البارزاني مكانة خاصة في وجدان أهالي الكوجرات. فقد رأوا فيه رمزاً للنضال والكرامة الكردية، وقائداً جسّد حلم الحرية. انعكس هذا الدعم في المواقف الشعبية، وفي تداول سيرته بوصفه مثالاً للقائد الذي ضحّى من أجل شعبه، وألهم أجيالاً كاملة داخل سوريا وخارجها.
وكانت المنطقة متعاطفة علناً وشعبياً مع ثورات الخالد , وانتشرت قصص الدعم المعنوي و إيواء العابرين و استقبال للمهجرين من باشور كوردستان , بل و تجاوز الامر الدعم المعنوي فقد شارك الكثير منهم بالقتال الى جانب قوات البارزاني الخالد آنذاك

المعالم الأثرية والطبيعية
رغم أن الكوجرات لا تضم مواقع أثرية ضخمة معروفة عالمياً، إلا أنها غنية بتلال ومواقع قديمة تحمل شواهد تاريخية محلية، إضافة إلى طبيعتها الزراعية التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجمعية. هذه المعالم، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تؤدي دوراً مهماً في ربط الإنسان بالمكان، وتحافظ على استمرارية العلاقة بين الماضي والحاضر.

الحياة الاقتصادية والاجتماعية
تعتمد الحياة الاقتصادية في الكوجرات على الزراعة وتربية المواشي، وهو نمط عيش ساهم في ترسيخ قيم التعاون والتكافل بين الأهالي. كما أسهمت الهجرة، خاصة في العقود الأخيرة، في خلق روابط بين الداخل والشتات، دون أن تقطع الصلة بالمنطقة الأم.

ختاماً
تمثل منطقة الكوجرات نموذجاً مصغّراً للتجربة الكردية في سوريا: أرضٌ صامدة، وهويةٌ حية، وذاكرةٌ لا تنفصل عن النضال. وتسليط الضوء على هذه المنطقة ليس توثيقاً لمكان فحسب، بل هو توثيق لوجدان جماعي قاوم التهميش، وحافظ على حضوره الثقافي والسياسي، ليبقى شاهداً على عمق الانتماء الكردي في الجغرافيا السورية.