من منطق السلاح إلى منطق الدولة: نحو عقد اجتماعي سوري وسيادة بلا وصاية
د. كاميران حاج عبدو
في التجربة السورية المعاصرة، تَكشَّف على نحوٍ صارخ أن العنف المسلّح لم يكن أداةَ حلّ، بل آليةَ تعميقٍ للأزمة وإعادة إنتاجها بأشكال أكثر قسوة. فبعد سنوات طويلة من الاقتتال، لم ينتج «الانتصار العسكري» سوى جغرافيا ممزقة، ومجتمع منهك، وقرار وطني مُصادَر. من هنا، يغدو القول إن «لا حل عسكري في سوريا» خلاصةً تاريخية لا موقفاً سياسياً أو شعاراً عاطفياً، لأن الحرب ألغت السياسة بدل أن تمهّد لها، وفتحت البلاد أمام التدخُّلات الخارجية بدل أن تحمي سيادتها.
إن أي مخرج واقعي من المأزق السوري لا يمكن أن يتأسس إلا على حوار سوري شامل، حوار لا يقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل بين مكوّنات المجتمع كافة. فسوريا، بحقائقها التاريخية والجغرافية، لم تكن يوماً دولة أحادية الهوية، بل فضاءً تعددياً تشكّل من تفاعل القوميات والأديان والمذاهب عبر قرون. هذا التنوع، الذي حُوِّل قسراً إلى مصدر خوف وصراع، يجب أن يُعاد تعريفه بوصفه قاعدةً لعقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة التامة بين المواطنين والمكوّنات، ويؤسس للانتماء إلى الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، لا إلى القومية أو الدين أو العصبية فحسب.
بعد سقوط نظام الأسد/البعث في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، لم تعدِ الأولويةُ في إعادة بناء السلطة، بل في إعادة بناء معنى الدولة نفسها: هويتها، وشكلها، ووظيفتها، وحدودها. فإعادة الإعمار ليست مجرّد مشروعٍ هندسي أو اقتصادي، بل مساراً سياسياً وأخلاقياً يبدأ بإعادة الثقة بين السوريين، ويفتح الطريق أمام عودة المهجّرين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم وهم مطمئنون إلى أن سوريا لم تعد سجناً مفتوحاً ولا ساحة تصفية حسابات. إن الإعمار الحقيقي يبدأ حين يصبح الوطن إطاراً جامعاً للعدالة والمواطنة، لا غنيمةً يتقاسمها المنتصرون ولا منطقة نفوذ تتحكم بها القوى الخارجية.
في هذا السياق، تبرز مسألة الاستقلالية الوطنية بوصفها شرطاً مركزياً لأيّ مشروع إنقاذ. فالارتهان للخارج، سواءً جاء تحت شعار الجيرة، أو الانتماء الديني أو القومي، أو الدعم، أو ما يُسمّى «التحالفات الاستراتيجية»، هو في جوهره تعبير عن فشل داخلي في إنتاج حل وطني. فالجوار، مهما بدا قريباً أو متعاطفاً، تحكمه مصالحه لا مصلحة السوريين. ومن يستقوي بالجيران يعمّق هشاشته، لأنه يستبدل الثقة بشعبه بالاعتماد على قوة قد تصبح غداً عبئاً أو خصماً. هنا تكتسب العبارة معناها العميق: كوفية الجيران لا تنفع… فاجعل شعبك كوفيةً أفضل. فالشعب، بكل مكوّناته، هو السند الوحيد القادر على حماية القرار الوطني وصون الكرامة الجماعية، أما التحالفات الخارجية فزينة مؤقتة سرعان ما تنقلب عبئاً.
ولا يكتمل الحديث عن الدولة والعقد الاجتماعي من دون معالجة مسألة السلاح بوصفها إحدى أعقد معضلات المرحلة الانتقالية. إن الدعوة إلى نزع السلاح وحصره بيد الدولة مطلبٌ مشروع وغايةٌ شرعية، لكنها تفقد معناها إن لم تُطبَّق بصورة شاملة ومتساوية على الجميع دون استثناء. فانتقائية نزع السلاح لا تبني دولة، بل تكرّس العداوة وتؤجج الصراعات، وتعيد إنتاج منطق القوة. كما أن هذا المسار لا يمكن أن يُفرض بمعزل عن سياقه السياسي والدستوري؛ إذ يبدأ بالاعتراف الدستوري الصريح بحقوق جميع الأفراد والمكوّنات، وضمان الحرية والمساواة الكاملة أمام القانون، وإفساح المجال لحكم تشاركي شامل. فعندما يشعر المواطن، أياً كان انتماؤه أن الدولة تحميه، ولا تميّز ضده، تنتفي الحاجة الموضوعية إلى السلاح بوصفه وسيلة حماية أو ضغط.
وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير أن حصر السلاح بيد الدولة يُعدّ شرطاً تأسيسياً لشرعيتها ذاتها، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار قانوني متوافق عليه اجتماعياً، كما يذهب إليه ماكس فيبر؛ إذ عندها فقط يكتسب هذا الاحتكار طابعه المشروع.
عندما نتكلم عن السلاح فإن خطورته تبلغ ذروتها حين يكون مرتبطاً بالخارج، يتحرّك بإمرة قوى غير سورية، ويُسخَّر لتحقيق مصالحها ومآربها على حساب المجتمع. فهذا السلاح لا يهدّد السلم الأهلي فحسب، بل يصادر القرار الوطني، ويحوّل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة، وهو المسؤول، بالدرجة الأولى، عن كثير ممّا جرى، ويجري من اقتتال داخلي. وما شهدته مدينة حلب في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وسابقاً جرائم الساحل والسويداء يقدّم مثالاً حيّاً على الكلفة الإنسانية الباهظة لبقاء هذا السلاح خارج منطق الدولة، حين تتحول الأحياء السكنية إلى مسارح صدام، ويُدفع المدنيون ثمن حسابات لا تعبّر عن مصالحهم ولا عن تطلعاتهم.
إن تجريم هذا السلاح ونزعه لا يجوز أن يكون استهدافاً لجماعة أو مكوّن، بل دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تُبنى على دستور عادل ومواطنة متساوية لا يمكن أن تتعايش مع بنادق تتلقى أوامرها من الخارج، لأن في ذلك نسفاً لمبدأ السيادة وتقويضاً لإمكانية العيش المشترك. وعندما يُستعاد الاحتكار الشرعي للقوة في إطار دولة تحترم مواطنيها، يصبح كل سلاح خارج هذا الإطار، أياً كان حامله أو مبرره، خروجاً على القانون وعدواناً على السلم الأهلي.
عند اكتمال هذه الشروط (الحوار الشامل، والعقد الاجتماعي العادل، والاستقلال عن الخارج، وحصر السلاح بيد الدولة) يمكن لسوريا أن تنتقل من منطق الحرب إلى أفق الدولة، ومن ثقافة الخوف إلى فضاء المواطنة.
إن الشعب السوري المنهك من سنوات القتل والتهجير، لا يستحق مزيداً من الدماء ولا مزيداً من الرهانات الخاسرة، بل يستحق دولة تعترف به، وتحمي تنوّعه، وتمنحه سبباً حقيقياً للإيمان بالمستقبل. وسوريا، إذا أرادت أن تنهض من تحت ركامها، لن تفعل ذلك بسلاح الجيران، ولا بكوفياتهم، بل حين تجعل شعبها نفسه هو الكوفية الحقيقية: مصدر الشرعية، وعماد الكرامة، وضمانة البقاء.
وحين يتحقق هذا، ستصبح سوريا وطناً يحتضن الجميع؛ لا ساحة صراع، بل أرضَ حياة وآمال.