مستقبل سوريا 2026.. التحديات والفرص في ظل التحولات الإقليمية والدولية
عزالدين ملا
مع دخولنا العام 2026، تظلُّ سوريا في قلب الأحداث والتحدّيات، حيث تتشابك فيها الصراعات الإقليمية والدولية مع التحديات الداخلية التي تتطلب جهوداً مضاعفة لتحقيق الاستقرار والتنمية.
ورغم كلّ العقبات، تظهر في الأفق بوادر أمل وتغيير، حيث بدأت البلاد تتجه نحو خطوات إيجابية، من خلال تحسين علاقاتها مع المجتمع الدولي، والانفتاح على الغرب، والسعي لبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إن الشعب السوري، الذي عانى الكثير، يترقّب العام الجديد بتفاؤل كبير، متطلعاً إلى مرحلة جديدة يملؤها الأمل في إعادة بناء وطنه وإعادة إعمار ما تهدّم.
وفي ظل هذه التطوُّرات، تطرح صحيفة «كوردستان» مجموعة من الأسئلة حول مستقبل سوريا:
-ما هي أبرز الخطوات التي حققتها سوريا نحو الانفتاح على الغرب وتخفيف التوتر مع المجتمع الدولي؟
-كيف يمكن أن تؤثر تلك التغييرات على حياة الشعب السوري ومستقبل البلاد؟
-ما التحدّيات التي لا تزال تواجه سوريا في طريق استعادة استقرارها وتنميتها؟
-هل تتوقع أن يكون عام 2026 نقطة تحول حاسمة في مسيرة سوريا نحو السلام والتنمية؟
مستقبل سوريا بين التحديات والفرص
تحدث عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، شيركو كنعان عكيد، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «علينا قبل كل شيء ألا ننسى أن أول ما تقوم به أية قيادة تتولى السلطة بصورة غير تداولية هو أن تعمل أولاً على ضمان احتفاظها بتلك السلطة بكل الوسائل المتاحة، وليس أقلها اتباع سياسة براغماتية، الأمر الذي يفسّر سياساتها الخارجية اللاحقة المتسمة بالمرونة والليونة.
منذ الساعات الأولى لسقوط النظام السابق، دأبت القيادة المؤقتة الجديدة على إرسال الإشارات الإيجابية حول عدم رغبتها في الدخول في صراعات مع أية أطراف إقليمية، وكذلك نيتها القوية في بناء علاقات جيدة مع (كل) دول المنطقة، والسّعي لاستعادة الشرعية في المحافل العربية والدولية. وكانت معظم خطاباتها تركّز على إظهار هدفها الأساسي المعلن والمتمثل في إعادة الإعمار وخلق أرضية مستقرة سياسياً واقتصادياً من خلال عودة سوريا إلى أحضان المجتمع الدولي، وأيضاً من خلال دعم اقتصادها، بالإضافة إلى تقديم المساعدات المالية لها والعمل على رفع العقوبات المفروضة عليها.
تلك الإشارات المطمئنة كانت كافية للعديد من الدول والهيئات الدولية لفتح المجال أمام النظام الجديد لينخرط في الدبلوماسية الدولية، وقد لمسنا جميعًا ذلك النشاط المكثف في تبادل الزيارات بينه، وبين النظام الجديد، خاصة بعد أن تحولت الساحة السورية إلى حلبة تنافس دولي وإقليمي على المصالح، للدول مثل تركيا وإسرائيل ودول الخليج ودول الغرب، بالإضافة إلى رغبة كل من إيران وروسيا في الحفاظ على ما تبقى لهما من نفوذ في المنطقة.
ولعل أبرز ما حققته سوريا بانفتاحها على الغرب يمكن اختصاره بعدة نقاط، وبعيداً عن كل التضخيم الإعلامي الرسمي لتلك المنجزات، تمثل في فتح العديد من القنوات الدبلوماسية مع كثير من الدول العربية والغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الذي انتهى مؤخرا بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بما يحمله ذلك من دلالات عميقة على المستويين الداخلي والخارجي، وبما يمثله من اختبار حقيقي للسلطة في دمشق. كل ذلك أدى بالتالي إلى مكسب مهم آخر، وهو ما يتعلق بعقوبات قيصر، التي أقر مجلس النواب والشيوخ إلغاءها، والذي سيدخل حيز التنفيذ بمجرد توقيع الرئيس ترامب عليه.
يتابع عكيد: «طالما أننا لا نزال نتحدّث عن المكاسب السياسية والمنافع الاقتصادية وتأثيراتها المحتملة على حياة السوريين، فلا شك أن الشعب قد يشعر، مع مرور الوقت، بتحسن نسبي في الوضع الاقتصادي والمعيشي. وقد يتجلى ذلك في توفر المواد الأساسية والخدمات الضرورية، خاصة إذا جُرِيتْ عمليات جادة لإعادة بناء وترميم البنية التحتية، وتوسيع مجالات الاستثمار، وتوظيف موارد الدولة بما يخدم المواطن بشكل مباشر.
إلا أن ذلك التحسن، إن تحقق، يبقى مرهونًا بحالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي، وهي حالة لا يمكن الجزم بتوفرها في ظل الطبيعة المؤقتة لمعظم هياكل الدولة، واستمرار حالة عدم الاستقرار في المسار السياسي العام.
ومع ذلك، فإن جودة حياة السوريين لا يمكن اختزالها بالوضع الاقتصادي وحده. فإلى جانب الخبز والكهرباء والخدمات، تلوح مطالب أكثر أهمية، في مقدمتها الحق في حياة كريمة وعادلة، تقوم على الحقوق الدستورية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والمشاركة الحقيقية في الحياة السياسية.
أما فيما يتعلق بمستقبل البلاد، فإنه يبقى مرهونا بقدرة ورغبة الدولة في التأسيس القويم لذلك المستقبل، وبمدى نجاحها في اكتساب مزيد من الدعم الدولي، وذلك عبر التزامها بالمعايير الدولية، وانتهاجها سياسة موضوعية في معالجة القضايا الملحة التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.
يشير عكيد: «إلى أن سوريا لا تزال تواجه العديد من التحديات الحقيقية، سواء الداخلية منها والخارجية، في طريق استقرارها وتنميتها، منها انعدام الاستقرار السياسي الذي تفرضه المرحلة الانتقالية الموقوتة، وتلك الفوضى الإدارية التي تعاني منها الدولة بسبب غياب الكفاءات في هياكلها عموما، وخطر الجماعات المسلحة وفصائلها المختلفة، سواء من داخل النظام أو من خارجه، خاصة بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. كما أن الانقسام المجتمعي، الذي يُؤَجَّج بطرق مختلفة، ليس أقلها الخطاب الرسمي القائم على توجيه الاتهامات للآخر ومحاولات إدارة الأزمة بدلا من معالجتها.
يتمنى عكيد: «أن يشكل العام الجديد مدخلاً حقيقياً للتحوُّل نحو السلام والتنمية، غير أن جملة من التحديات المتراكمة لا تزال تضع العصي في عجلة الاستقرار والتنمية. ومن دون معالجة تلك التحديات معالجة جادة، فإنه لا تلوح في الأفق بوادر حقيقية لتحول قابل للاستمرار.
إن نقطة التحول الحاسمة التي نتحدث عنها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مشروع وطني شامل، وصياغة دستور جامع، بمشاركة وطنية حقيقية تتحدد فيها مبادئ القانون وشكل الدولة، ويثبت مبادئ التعددية، إلى ما هنالك من عناصر الدولة المدنية.
وعليه، فإن مستقبل سوريا سيبقى رهن الخيارات التي يتم تبنيها في الوقت الحاضر، فإما الاستمرار في إدارة الأزمات دون معالجتها، أو اتخاذ خطوات شجاعة من خلال بناء دولة قائمة على الشراكة والشرعية وسيادة القانون، وذلك وحده كفيل بتحويل الآمال والأمنيات إلى واقع ملموس».
آفاق سوريا المستقبلية، التحديات والفرص في ظل التحولات الإقليمية والدولية
تحدث الكاتب والسياسي منال حسكو لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «في البداية، لابد أن أهنئ الشعب السوري بشكل عام، والشعب الكوردي بشكل خاص، بنهاية حكم الطاغية بشار الأسد ونظام البعث الفاشي العنصري. لقد عانى الشعب الكوردي الكثير نتيجة الإجراءات الشوفينية. أما بخصوص سؤالكم، أولا، هناك تقدم في الخطوات الدبلوماسية غير المباشرة، وقبول النظام المؤقت بقنوات تواصل غير علنية مع دول غربية من خلال وسطاء إقليميين أو منظمات دولية. التركيز كان على ملفات إنسانية، مكافحة الإرهاب، رفع العقوبات، الانفتاح، وإعطاء الشرعية للحكومة المؤقتة. وكان للمملكة العربية السعودية دور مهم جداً في ذلك من خلال اللقاء الذي جرى في الرياض بين ترامب والشرع، بحضور ولي العهد محمد بن سلمان. أما بخصوص الاستقرار الإقليمي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ذلك لا يعني تطبيعاً كاملاً، بل إدارة الخلافات بدلًا من القطعية، ويتوقف الأمر على مدى استجابة الحكومة المؤقتة للشروط المطلوبة، وهل لدى النظام المؤقت نية في مشاركة جميع مكونات الشعب السوري.
ثانياً: بالنسبة للتعاون الأمني، نعم، تمت الموافقة على انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش والتنظيمات المتطرفة. وهذا الملف صعب، وعلى الحكومة المؤقتة أن تكون جادة في التعامل معه، وما حدث في تدمر كان له وقع كبير على نظام أحمد الشرع. كما أن الملف الإنساني له أهمية كبيرة، ولهذا يجب تسهيل عمل وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية، والقبول بالآليات الأممية، فهذا سيساعد على تقليل التوتر بين مكوّنات الشعب السوري. كما أن الابتعاد عن الخطاب التصعيدي وخطاب المواجهة والتحدّي، واللجوء إلى لغة أكثر اعتدالاً، مع التركيز على محاربة الإرهاب بدلاً من افتعال الأزمات.
ثالثاً: للاتصالات الإقليمية دور كبير، استفادت منه الحكومة المؤقتة كثيراً، وهذا سمح لها بتخفيف العزلة الدبلوماسية ورفع العقوبات. ومع ذلك، لا بد من التذكير بأنه لا يوجد رفع فعلي للعقوبات الغربية، ولا اعتراف سياسي أو تطبيع مع دول أوروبا أو واشنطن، ولا تمويل لإعادة الإعمار، والمسار السياسي لا يزال أمامه الكثير. لذلك، يمكن القول إن ما جرى حتى الآن هو خفض للتوتر وليس انفتاحاً كاملاً، وإدارة للأزمة، وليس مصالحة سياسية حقيقية، لأن الحكومة تحت أنظار العالم وفي مرحلة اختبار، وهناك ملفات عليها النجاح فيها، مثل الحل السياسي، وحقوق الإنسان، والضمانات الأمنية. وكل هذه الملفات مطلوبة من سوريا، وعلى الحكومة المؤقتة تقديمها في الأيام القادمة. فلا أستطيع أن أقول إن الحكومة المؤقتة قادرة على ذلك أم لا، ولا ننسى سيطرة بعض الفصائل الجهادية على الكثير من المواقع، وعلى الشرع التخلص منها».
يتابع حسكو: «إن التغييرات الخارجية هي اليوم العامل الأكثر تأثيراً على حياة الشعب ومستقبل سوريا، أحياناً أكثر من العوامل الداخلية نفسها. على سبيل المثال لا الحصر، رفع العقوبات، والذي يعني رفع العقوبات الاقتصادية، بما يشمل أسعار الطاقة، الغذاء، الدواء، والمواد الأساسية، فهي أمور معيشية وشريان حياة للمواطن. أي أن يكون هناك استيراد وتصدير، رفع قيمة الليرة السورية، فتح المنافذ والمعابر الحدودية لتسهيل التنقل والتجارة، ودعم الاقتصاد، وفتح المجال أمام الاستثمارات الخارجية. نحن نعلم أن مستقبل السوريين ليس بيدهم فقط، بل مرتبط بقرارات تتخذ من الخارج، خاصة من واشنطن. لذلك، أي انفراج خارجي، حتى لو كان بسيطاً، قد ينعكس على حياة الناس، وهذا هو المطلوب. رفع العقوبات وفتح المجال أمام الشركات العالمية، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا توفرت أمن وأمان لحماية مصالح الدول والشركات. لذا، كلما سارعت الحكومة المؤقتة في وضع البلاد على رأس الأولويات، ودعت إلى حوار وطني شامل، ووضع دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة، فإن ذلك سيساهم في تحسين وضع ومعيشة الناس. نعم، من دون أدنى شك، كلما كانت العلاقات مع الخارج في المسار الصحيح، أصبح وضع المواطن السوري أفضل».
يعتقد حسكو: «إن التحديات التي تواجه سوريا هي الأصعب أمام الحكّام الجُدَد في دمشق، لأن الثورة كانت ثورة حرية وكرامة، وليست تغيير نظام بنظام آخر. لذلك، على الحكومة المؤقتة فهم تلك التحديات وإيجاد صيغة مناسبة لحلها. وهنا، علينا أن نتذكر بعض تلك التحديات:
1. غياب الحل السياسي والإعلان الدستوري، وتعيين البرلمان على مقاس النظام، هما عقبتان حقيقيتان أمام الحل الشامل في البلاد.
2. استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي، وعدم الثقة بين الأطراف والمكوّنات. وأكبر دليل على ذلك أحداث الساحل والسويداء. وعلى الحكومة المؤقتة الاعتراف بها والاعتذار بدل التهرُّب، وتشكيل لجان حقيقية، وليست تلك التي على شاكلة النظام البائد، أي تشكيل لجان حقوقية مختصة، والبحث عن الأدلة الجنائية الحقيقية، وعدم تشويه الحقائق. كما يجب نبذ خطاب الكراهية ضد الشعب الكوردي، وتقديم الاعتذار عن إهانته، كما حدث في مظاهرات الشام. لا أعتقد أن الحكومة المؤقتة لا تعرف تاريخ سوريا وحقيقة نضال الشعب الكوردي وتاريخه، ولا أعتقد أن اللقاء مع القيادة السياسية للشعب الكوردي لم يحدث حتى الآن، ولو كان بضغط خارجي (تركيا)، فهذا ليس في مصلحة النظام المؤقت.
3. من أهم التحديات أيضاً ملف عودة اللاجئين، وارتفاع معدل البطالة، وشح الإنتاج المحلي. لذلك، يتطلب الأمر الإسراع في وضع آليات لتحسين الوضع.
4. كما لا ننسى التحديّات الاجتماعية، والفقر، والهجرة، حيث أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر. على الحكومة المؤقتة الانتباه إلى هذه الأمور والعمل بجد لتحسين وضع الفقراء وتوفير فرص عمل لهم.
5. الوضع الأمني حتى الآن غير مطمئن، مع الخوف من عودة التنظيمات المتطرفة، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، والتدخلات الخارجية، وتعارض مصالح القوى الدولية على الجغرافية السورية، حيث أن سوريا أصبحت ساحة صراع، وهو ما يضعف القرار الوطني المستقل.
خلاصة القول، سوريا لا تواجه تحدياً واحداً، بل أكثر من أزمة: مسار سياسي غير واضح، وضع أمني هش، وغياب رؤية واضحة للحل، حيث أن جل اهتمام السلطة المؤقتة بالخارج، وهذا ينعكس على تدهور الوضع الداخلي. لا يمكن بناء علاقات خارجية جيدة دون وضع داخلي مستقر».
يختم حسكو: «نعم، هناك العديد من الملفات العالقة، منها ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي. أولاً، الملف الخارجي، كيف سيكون التقارب مع إسرائيل، وهو جوهر السياسة الأمريكية والمطلب الرئيسي من الحكومة المؤقتة؟ لأن ملف الاتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل من أهم أولويات ترامب. ويعني ذلك على أحمد الشرع الإسراع في الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، وهذا ليس بالأمر السهل، لأن أي اتفاق يتطلب الكثير من التنازلات. فهل بمقدور الشرع ذلك؟ ثانياً، الصراع التركي العربي على سوريا، وكيف يمكن التوازن بين مصالح تركيا من جهة والدول العربية من جهة أخرى، حيث تعتبر تركيا نفسها وصياً على الحكومة المؤقتة؟ ولهذا لا نجد يوماً إلا وتصدر تركيا مواقف أو تصريحات بخصوص الوضع السوري، حسب اعتقادي، هذا يضر أكثر مما ينفع الحكومة المؤقتة. ويجب ألا ننسى المصالح الروسية، وحتى الإيرانية. سوريا بحاجة ماسة إلى مساعدة أمريكية وأوروبية في هذه الملفات الشائكة. أما داخلياً، فالأولوية هي كتابة دستور جديد يضمن حقوق الجميع، وإجراء انتخابات حرة وشفافة، وتشكيل برلمان يمثل جميع أطياف الشعب السوري. والأهم، وفق قناعتي، هو الاتفاق مع الحركة السياسية الكوردية التي تمثل الشعب الكوردي على شكل الحكم في سوريا. وهنا، حسب قناعتي، الفيدرالية هي الشكل الأنسب. لقد عانَى الشعب الكوردي الكثير خلال زمن البعث والأسد (الإحصاء، الحزام العربي)، ويجب الاعتراف بالهوية القومية للشعب الكوردي، والاعتراف بعيد النوروز، وأن تكون اللغة الكوردية اللغة الرسمية في المناطق الكوردية. كما ينبغي أن يحصل المكون الدرزي والعلوي على حكم مناطقهم بأنفسهم، أي نظام حكم لا مركزي. إذا نظرنا إلى كل هذه الأمور بعين الاعتبار، سنجد أن الوضع ليس سهلاً، لكني أعتقد أن العام القادم قد يتجه نحو استقرار تدريجي أو انقسام كأمر واقع. وفي الختام، أتمنى لسوريا كل الخير والسلام، وأن يحصل الشعب الكوردي على حقوقه القومية المشروعة».
تحديات الأمل وآفاق البناء
تحدث المنسّق العام لحركة الشباب الديمقراطي، حمزة إسماعيل، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «سعت الحكومة السورية المؤقتة إلى استعادة التواصل مع المجتمع الدولي والغرب بصورة خاصة بعد الانقطاع والعزلة التي عاشتها لسنين طويلة أثناء حكم الأسد. تم تعزيزُ العلاقات وتطويرها مع العديد من الدول الغربية وفتح العديد من السفارات كخطوة لإعادة الثقة بينها وبين المجتمع الدولي، والسعي لرفع العقوبات المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. وقد تحقق لها ذلك بعد العديد من الخطوات السياسية والمنسجمة مع مطالب الدول الخاصة بتحقيق الاستقرار السياسي والمصالحة الوطنية، والسعي للتنمية والإعمار، ونبذ المشاريع الطائفية والفصائلية. ومن أفضل الخطوات التي استطاعت الحكومة الجديدة تحقيقها هو اللقاء التاريخي بين الرئيس الأمريكي والرئيس السوري، والذي توّج في نهاية المطاف، وبعد جهد مثمر من الجالية السورية الأمريكية، برفع عقوبات قيصر وإلغائها نهائياً. إضافة إلى السياسة المتوازنة التي دفعت باتجاه اللقاء مع الرئيس الروسي، ووضع تقييم جديد للعلاقات بين البلدين. بالإضافة إلى العديد من اللقاءات مع الزعماء العرب، خاصة دول الخليج العربي، والسعي لتمتينها وتقويتها بما يعزز الحضور السوري في القضايا العربية، والتنسيق معها. وأيضا إقامة علاقات جيدة مع الجارة تركيا، وبناء اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية تضمن الحفاظ على أمن البلدين والشعبين. إلا أنها لم تستطع بناء أي اتفاقية أو تفاهم مع إسرائيل أو إيران، وبقيت العلاقة بينهما تتسم بالحياد، وعدم إبداء أي صورة عدائية في التوجه السياسي والإعلامي».
يتابع إسماعيل: «إن حقبة ما بعد الأسد اتسمت بالعديد من التغييرات الإيجابية في كل المجالات، رغم البطء في التنفيذ، لكنها اتسمت بصورة من الاستقرار الأمني في أغلب المناطق السورية، مع بعض التجاوزات في محافظات الساحل والسويداء. تطور في تقديم الخدمات بشكل أفضل، وارتفاع مستوى المعيشة لدخل الفرد بعد زيادة الرواتب، والاستقرار الاقتصادي النسبي في قيمة العملة السورية أمام الدولار. وتراجعت المخاوف من الاعتقال القسري والتغييب في السجون، وزاد إلى حد ما وجود هوامش من الحريات الشخصية والإعلامية. عودة اللاجئين من الداخل والخارج تدريجياً، والسعي لتنفيذ ومنح العديد من الاستثمارات الضخمة لدعم مشاريع الإعمار والتنمية. أما من الناحية الاجتماعية، فهناك شرخ كبير بين المكوّنات السورية نتيجة عدم الثقة، والحوادث التي حدثت في السويداء والساحل، والتي خلقت صورة من عدم الثقة والمظلومية. بالإضافة إلى عدم وجود أيِّ تطوّر في تنفيذ الاتفاق المبرم مع الشمال الشرقي لسوريا».
يعتقد إسماعيل: «إن الدمار الهائل في البنية التحتية وقطاعات الإنتاج، والتراجع في قيمة العملة الوطنية أمام الدولار، كلها تساهم في وجود تحدٍ كبير لتحقيق التقدم. قلة الاستثمار الخارجي نتيجة عدم الاستقرار الأمني وعدم سيطرة الدولة على كامل الأراضي، خاصة منابع النفط والثروات الباطنية في مناطق دير الزور والحسكة. استمرار الانقسام السياسي وعدم وجود توافق وطني شامل. وهناك العديد من الآثار النفسية التي عمقت المزيد من الانقسام والنزاعات. الحاجة إلى إصلاحات قانونية وإدارية لخلق البيئة المناسبة. هناك حاجة ماسة لتطوير الخدمات الأساسية في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم».
يختم إسماعيل قائلاً: «حسب التوجُّه العام للدولة السورية، والسعي لرسم صورة جديدة لمستقبل البلاد من خلال بناء السلام والمصالحة الوطنية، وإيجاد الحلول لإجراء إصلاح سياسي شامل، ومشاركة جميع المكونات بشكل حقيقي، من خلال تعديل الإعلان الدستوري والانفتاح على التغيير الديمقراطي، مع كافة التيارات السياسية، بما يحقق التفاهم ودعم مشاريع البناء والإعمار، ودعم الاقتصاد وتطويره. كل ذلك سيخلق أملًا في سوريا جديدة، تعمها السلام والتنمية والتعددية».