الكتابة الإبداعية والدماغ

الكتابة الإبداعية والدماغ

حواس محمود

تحظى العملية الإبداعية باهتمام كبير من لدن باحثي طب الأعصاب وعلم النفس، وكان هذا مثار اهتمامهم منذ عقود، وازداد الاهتمام أكثر في الأعوام الأخيرة، فتناولت البحوث المختصة إضافة للكتابة الإبداعية الفنون والموسيقا.

في هذا المجال يمكن الإشارة الدراسة قام بها عدد من العلماء في المانيا أثارت جدلا واسعا في الأوساط العلمية، فقد أثنى عليها بعض الخبراء ووصفوها بانها تقدم علمي متميز في فهم أبعاد الكتابة والإبداع، بينما انتقدها آخرون، حيث اعتبروها من البساطة لكي تكشف أي شيء ذي معنى بشأن غموض الأدب أو الإلهام الذي يصعب تفسيره.
ترأس فريق هذا البحث البروفيسور مارتن لوتز Martin Lotse وهو طبيب الأمراض العصبية بجامعة غرايفسفالت (بالألمانية Greifswald)
استخدم لوتز وفريق عمله من الباحثين في هذه الدراسة العلمية جهاز الرنين المغناطيسي لسبر عمل أعصاب الدماغ أثناء الكتابة الإبداعية، وقد اختاروا لهذه الدراسة عددا من الكتاب، وقد لاحظ الباحثون أن الشبكة الخارجية لمناطق في الدماغ كانت تعمل معا، عندما أنتج الكتاب قصصهم، ولكن كانت توجد فروقات بين المجموعتين، فقد أظهرت العمليات الداخلية في الدماغ ذكريات الكتاب المبدعين بعض الشبه مع الماهرين في الأعمال المعقدة مثل الموسيقا.
وحسبما أعلن علماء في دراسة جديدة في مجلة (نيروايمج) أن أدمغة الكتاب المبدعين تعمل بشكل مختلف حتى قبل أن يضعوا القلم على الورق، بينما نشط الكتاب المبتدئين مركز الرؤية لديهم خلال العصف الذهني، وعلى النقيض من ذلك فقد أظهرت أدمغة الكتاب المبدعين نشاطا أكثر في المناطق المتعلقة بالنطق (1)
تقول عالمة الأعصاب جيني أوغدن أن " الكاتبة الاسترالية سو ولف في كتابها - لغز الخادمة - تحاول الإجابة عن تلك المتعلقة بعمل الدماغ وعلاقته بالكتابة الإبداعية بطريقة شخصية وصادقة لدرجة أنها أحست بها.
بدأت سو الكتابة بكتابة هذا الكتاب كجزء من أطروحة الدكتوراة في الكتابة الإبداعية " سو " تبذل الكثير من الجهد والعمل الطويل لإكمال رواياتها وهي مثيرة للاهتمام بسبب ذلك ففي " العلاج السري " وهي رواية من عجائب العقل البشري الخلاق اعتمدت في كتابتها على نتائج ونظريات علم الأعصاب عن الإبداع وتوقف التدفق الإبداعي، والقارئ لسو يكتشف أنها أمضت الكثير من الوقت في الأبحاث، لذلك روايتها حقيقية فكأن روايتها هي مذكرات للبطل، سو كاتبة تبحث في علم الأعصاب والإبداع، وتأخذنا معها إلى ذلك العالم وتوضح لنا كيف ارتفعت العملية الإبداعية وكيف توقفت ثم ارتفعت مرة أخرى، معتمدة على تمضية الوقت في المختبر الحقيقي والاستماع والمراقبة وتدوين الملاحظات، وعندما تتوقف الكتابة تسأل نفسها " ماذا يفعل الكاتب لدماغه ليكتب؟ وهل فعلت أنا شيئاً خاطئاً أثر على عملي؟" في النهاية استنتجت سو أن علم الأعصاب لم يكتشف بعد كيف يعمل الدماغ لابتكار قصص غنية ومعقدة حسب وجهة نظر الكاتب، على الأقل خلال تلك اللحظات التي يبدو فيها أن الإبداع يكتب نفسه، عملية كتابة الرواية وكيف يعمل العقل لخلق قصة قد يظهر فقط بعد رحلة طويلة حيث نجمع العديد من العلاقات مع بعضها البعض والتي تبرزها بحوث علم الأعصاب " (2)
الشعر والدماغ
يشير باحثون بريطانيون أن " نظم القصائد والشعر ينشط المناطق الدماغية عينها التي تحركها الموسيقا، واستخدم علماء في جامعة " اكستر " تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتحقق في أي جزء من الدماغ تتنشط لمعالجة العمليات المختلفة منها قراءة الشعر، كما أن باحثين في دورية " دراسات الوعي " أوضحوا أنه عند قراءة الشعر سجل نشاط في "شبكة القراءة" في الدماغ التي تتحرك عادة عند قراءة أي شيء مكتوب، إلا أنهم أشاروا إلى أن الكتابات المفعمة بالعاطفة بما فيها الشعر، حركت عدداً من مناطق الدماغ التي تستجيب عادة إلى الموسيقا، كما لاحظ الباحثون أنه عندما قرأ المشاركون بالدراسة مقاطع شعرية مفضلة لديهم، تنشطت مناطق خاصة بالذاكرة اكثر من المناطق الخاصة بالقراءة، وأضاف الباحث "آدم زنمان" أن " البعض يقول إنه من المستحيل المصالحة بين العلوم والفن ، ولكن تقنية تصوير الدماغ الجديدة تعني أنه بات يمكننا رؤية الكثير من الأدلة في شأن تفاعل الدماغ مع الفن "(3)
المطالعة والدماغ:
تلعب القراءة والمطالعة دورا مهما وأساسيا في تنشيط وتفعيل الخلايا المخية وتجنيبها مخاطر الزهايمر وغيرها من الأمراض المتعلقة بالتقدم في العمر، كما من المفيد أيضاً الإشارة الى أن العلماء قد اكتشفوا " أن القراءة اليومية تزيد من حجم الماء البيضاء في منطقة اللعة بالعقل، وأبعد من ذلك أيضا فأظهرت الأبحاث أن بنية الدماغ يمكن تحسينها بالقراءة والتدريب اليومي على القراءة " (4)
ختاما يمكن القول ان الكتابة تزيد من وضوح الأمور بحيث لا يمكن للتواصل الكلامي الشفوي أداءها واتقانها ببساطة، وهذا لأن الكتابة في موضوع ما تتطلب فهما ودراية وتركيزاً اكثر مما يتطلبه الحديث العادي، وذلك من خلال التعامل مع الكلمات والمفردات والجمل، وطريقة تركيبها وربطها ونسجها وصياغتها الأدبية، هذا ليس أمراً سهلاً وبسيطاً وهذا بحد ذاته عامل تطوير العقل والقدرات الفكرية.

.........................................................................................
الهوامش :
1 - الدماغ والكتابة الإبداعية ماذا يقول العلم - ترجمة وتقديم تركية العمري المجلة العربية عدد سبتمبر 2017 ص 110 -

2 - " الكتابة الإبداعية والدماغ " جيني اوغدن - ترجمة آماليا داود 11-7-2015 خاص ثقافات –

3-"الدماغ يتفاعل مع الشعر مثل الموسيقى " جريدة النهار 10- -10-2011
4 -مروة جمال " القراءة المثمرة : كيف يمكن للكتب ان تزيد من مستوى عقلك " موقع تسعة - 7 ديسمبر 2013