الاتحاد الاختياري الحر، سبيلُ إعادةِ الوحدةِ الحقيقيةِ لسوريا
الدكتور: كاميران حاج عبدو
بكل تأكيد، وحدةُ سوريا ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل عقد سياسي عادل ينظم العلاقة بين مكوناتها، ويصون حقوق جميع السوريين. فالدولة التي أخفقت لعقود في إدارة تنوعها القومي والديني عبر مركزيةٍ احتكارية، لا يمكن أن تستعيد استقرارها بالأدوات ذاتها. المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق الفرض والإخضاع إلى منطق الاتحاد الحر، القائم على شراكةٍ دستورية واعترافٍ متبادل وضماناتٍ صريحة للحقوق. وصيغةٌ اتحادية ديمقراطية منسجمة مع الواقع السوري هي وحدها الكفيلة بتحويل التعدد من عامل انقسام إلى مصدر قوة واستقرار مستدام.
على مدى عقودٍ من حكم حزب البعث «العربي الاشتراكي»، ارتبطت الدولة بنظامٍ أنكر الحقوق القومية والسياسية والثقافية، وسعى إلى صهر المجتمع في قالبٍ أيديولوجي واحد يحتكر تعريف الهوية الوطنية. لم تكن المشكلة في التنوع السوري، بل في إنكار هذا التنوع ومحاولة إخضاعه لمنطق الهيمنة. ومع الزمن، أدى ذلك إلى تآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإلى تصدّعٍ عميق في العلاقات بين المكونات المختلفة.
ثم جاءت الحرب الأهلية لتفكك ما تبقى من الروابط الجامعة. فقد أسهم العنف المسلح، والتدخلات الخارجية، وصعود مشاريع متطرفة متناقضة، في تحويل الانقسامات السياسية إلى تصدعات اجتماعية حادة. لم تعد الأزمة مجرّد صراع على السلطة، بل تحولت إلى أزمة انتماء وأمان ووجود.
وعندما سقط النظام البعثي في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، تجدد الأمل بإمكانية تأسيس مرحلة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية. إلا أن التجاوزات والانتهاكات التي شهدتها المرحلة الانتقالية، والتي طالت مختلف المكونات السورية، بما فيها العلويون والدروز والمسيحيون والكرد، أضعفت الثقة بقدرة السلطة الجديدة على إدارة التنوع بروحٍ جامعة. إن شرعية أي نظام سياسي لا تُقاس بشعاراته، بل بمدى التزامه الفعلي بحماية جميع مواطنيه دون تمييز، وضمان أمنهم وكرامتهم وحقوقهم.
في المقابل، برزت مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها، ومن بينها المرسوم رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، والذي يفتح الباب – إذا ما طُبّق بروحٍ إصلاحية حقيقية – أمام معالجة عادلة للقضية الكردية في سوريا. إن الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية، ضمن إطار الدولة الواحدة، يشكل خطوة أساسية نحو إعادة بناء الثقة، ويؤسس لفكرة الشراكة بدلاً من التبعية.
إن الواقع السوري، بتعدُّده القومي والديني والجغرافي، يستدعي نموذجاً سياسياً يعكس هذا التنوع بدلاً من أن يصطدم به. ومن هنا تبرز الفيدرالية كصيغة دستورية تنظم العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس توزيع واضح للصلاحيات، وتضمن حكماً محلياً فعلياً ضمن إطار دولة واحدة وسيادة جامعة. الفيدرالية ليست تقسيماً، بل آلية دستورية تمنع الاحتكار، وتتيح لكل مكوّن أن يشارك في إدارة شؤونه بحرية ومسؤولية ضمن إطار وطني.
الوحدة التي تحتاجها سوريا ليست اندماجاً قسرياً، بل اتحاداً حراً يقوم على الإرادة المشتركة والمصالح المتبادلة. اتحاد يضمن المساواة أمام القانون، ويحمي الحريات الفردية والجماعية، ويقرّ بالتعدد الإثني واللغوي والديني، ويؤسس لنظام سياسي يمنع عودة الاستئثار بالسلطة من خلال الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والرقابة البرلمانية، والانتخاب الحر.
إن إعادة توحيد البلاد بعد سنوات من التفكك لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مصارحةٍ وطنية شجاعة، وعدالةٍ انتقالية تنصف الضحايا، ومحاسبةٍ قانونية لكل من ارتكب انتهاكات، أيّاً كان موقعه أو انتماؤه. فلا استقرار بلا عدالة، ولا ثقة بلا ضمانات دستورية واضحة.
سوريا اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في مركزية مقيتة تعيد إنتاج الأزمات، أو الانتقال إلى دولة اتحادية ديمقراطية تعترف بتعددها وتحوّلها إلى مصدر قوة واستقرار. كلنا بحاجة إلى سوريا واحدة، موحّدة وسيّدة، لكن هذه الوحدة لن تصمد إلا إذا قامت على الشراكة الحقيقية، والاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات ضمن إطار وطني جامع.
إن الطريق إلى سوريا المستقبل يبدأ بإدراك أن التنوع ليس خطراً يجب احتواؤه، بل حقيقة يجب تنظيمها دستورياً. وعندما تصبح الفيدرالية تعبيراً عن إرادة السوريين في العيش معاً بحرية ومساواة، يمكن عندها فقط أن تتجذر وحدةٌ راسخة، لا تُفرض بالقوة، بل تُصان بالعدل.