وطنٌ هذا أم مبغى؟

وطنٌ هذا أم مبغى؟

علي جزيري

يقول محمد الماغوط في كتابه «سأخون وطني»: عندما يبتلي الوطن بالحرب، ينادون الفقراء ليدافعوا عنه، وعندما تنتهي الحرب، ينادون الأغنياء ليتقاسموا الغنائم... فمن الغباء أن أدافع عن وطن لا أملك فيه بيتاً وقوت يومي... ومن الغباء أن أضحّي بنفسي ليعيش أطفالي من بعدي مشرّدين.
ويعلق زكريا تامر في مقدمته لكتاب الماغوط السالف الذكر قائلاً: الأوطان نوعان.. أوطان حقيقية (هي أوطان الأحرار)، وأوطان مزوّرة (هي أوطان الطغاة) تذيق المواطن القهر والذل والفاقة، قُراها ومدنها تشبه القبور والسجون، والكتابة فيها أقل أماناً من النوم مع الأفاعي في فراش واحد، لذا فالولاء لأوطان الطغاة خيانة بكل المعايير.
أجل، حين تُهدر حقوق المواطن بمنتهى الصفاقة، تغدو التضحية دفاعاً عن كرسي الطاغية نوعاً من الجنون والحماقة حينئذٍ، وتذكّرنا بقول مظفر النواب الذي استفتحنا به الزاوية.
لقد تنفّس السوريون الصُعَداء عقب فرار الطاغية، لكنهم سرعان ما أصيبوا بالصدمة إثر اعتلاء سلطة الأمر الواقع مقاليد السلطة، واستئثارها بقمة الهرم بدعم إقليمي ودولي وفق خطة معدّة عن سبق الإصرار والتصميم، وراح دعاتها يتشبثون بأهداب الدين، وسبق أن تناول ابن رشد مثل هذه الظاهرة بقوله: التجارة بالدين هي الرائجة في المجتمعات المتخلفة، فإن أردت أن تتحكم في جاهل فما عليك إلا أن تغلف كل باطل بغلاف ديني.
وتمادت السلطة الجديدة لترويج خطاب الكراهية، وأبلسة سائرالمُكوّنات بتُهَمٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ناهيك عن «دعشنة» المجتمع عبر ضخ ايديولوجية ابن تيمية التي أكل الدهر عليها وشرب، فأثارت بذلك النعرات الطائفية. ففي دمشق أحرقت شجرة الكريسماس في صحنايا بريف دمشق أمام كنيسة مار إلياس، وسط صيحات «الله أكبر»، وأقدم نورالدين البابا، الناطق باسم وزارة الداخلية على ترقيع هذا الفعل المشين، وادّعى أن النيران نشبت فيها إثر الألعاب النارية، كما تبنت «سرايا أنصار السُّنّة» بالأمس تفجير مسجد في حمص يخص الأخوة العلويين...!
ومازالت تركيا تمارس تحريض مرتزقتها العمشات والحمزات ضد الكُرد، وسبق لها أن جيشت «زناتها» الهمج لاستباحة عفرين وغيرها، كما اقتحمت حَيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مؤخراً، ومازالت أنقرة مواظبة بعد أن أصيبت برهاب تداعيات الحدث السوري على الداخل التركي، حيث التواجد الكردي والعلوي الكثيف فيها، للتدخل في الشأن السوري كخطوة استباقية منها لأداء دور إيران السابق.
رغم ما يجري - وهو غيض من فيض - يُلام أمثال خلف الجربوع، المعتقل السابق، وأحد ضحايا نظام حافظ الأسد ووريثه؛ والمهاجر إلى المانيا الفيدرالية التي تتمتع أقاليمها باستقلالية حكوماتها، وإدارة شؤون التعليم والثقافة والأمن الداخلي، وتتقاسم السلطتين التشريعية والتنفيذية مع الحكومة الاتحادية؛ حين ينساق المذكور وراء الركب، ويتماهى مع المتطرفين، رغم تمتعه بكل مزايا المواطنة هناك، ويدعو للتشبث بتسمية (الجمهورية العربية السورية)، ويُدرج التنازل عنها في خانة الجريمة التي لا تغتفر...!
وأخيراً، لن أنسى ما حييت الحكمة التي نطقت بها امرأة عراقية، حين سألها مراسل إحدى القنوات: يُمّا، شو رايّچ بحكام العراق الجدد؟ ردّتْ على الفور: والله يا يُمّا صدام چان دكتاتور، چتل ويلادنا، وزجهم في المعتقلات وأذلّهم، لكن يا يُمّا حكام بغداد اليوم بيَّضوا وِچ صدام.
و(إن اللبيب من الإشارة يفهم) ...!