سوريا بعد عام على سقوط النظام بين الثورة والانتظار

سوريا بعد عام على سقوط النظام بين الثورة والانتظار

جوان علي

مع انتهاء عام 2025 يقف الشعب السوري أمام لحظة مراجعة عميقة، لحظة تختلط فيها مشاعر الانتصار على الاستبداد مع مرارة الانتظار الطويل لتحقيق ما حلم به منذ أربعة عشر عاماً. لقد سقط النظام الذي حكم بالحديد والنار، لكن الأسئلة الكبرى ما زالت معلّقة: أين الدستور الذي يحفظ حقوق جميع المكونات؟ أين العملية السياسية التي تعكس إرادة الناس؟ أين البرلمان الذي طالما حلم به السوريون ليكون صوتهم الحقيقي؟ وأين الحكومة التشاركية التي تضمن مشاركة الجميع في صنع القرار؟ هذه الأسئلة تتردد في الشوارع والبيوت والقلوب، وكأن الثورة لم تكتمل بعد رغم التضحيات الجسيمة التي قدّمها الشعب.

لقد خرج السوريون منذ عام 2011 مطالبين بالحرية والكرامة، وواجهوا آلة القمع بصدورهم العارية، وقدّموا أرواحهم وأحلامهم في سبيل أن يولد وطن جديد. واليوم، بعد عام من سقوط النظام، يجدون أنفسهم أمام فراغ سياسي ودستوري يهدّد بتحويل النصر إلى مجرد محطة مؤجلة.
الشعب الذي ضحّى بكل شيء لا يمكن أن يُحرم من ثمار نضاله، لكنه يواجه تحدياً صعباً: كيف يحافظ على حلمه وسط هذا الفراغ؟ هل يُكتب له أن يعيش حياة كريمة كما يستحق، أم أن قدره أن يبقى في دائرة المعاناة؟ إن الشعوب التي دفعت دماءها ثمناً للحرية لا يمكن أن تُترك بلا مستقبل، لكن الواقع الحالي يضع السوريين أمام اختبار قاسٍ.

في قلب هذا المشهد يبرز الشعب الكردي الأصيل الذي يعيش على أرضه التاريخية في كوردستان سوريا، ذلك الجزء الملحق بالدولة السورية والذي لم يتوقف عن النضال منذ تأسيس حركته السياسية عام 1957. الكرد كانوا دائماً في طليعة مقاومة الاستبداد، رفعوا شعار الديمقراطية والتعدُّدية، وطالبوا بدولة سورية برلمانية تعترف بحقوق جميع مكوناتها. لم يكن الكرد يوماً على هامش التاريخ السوري، بل كانوا جزءاً أصيلاً منه، حتى أنهم أطلقوا انتفاضة عارمة عام 2004 في مدن عفرين وكوباني وقامشلو وديريك، متحدّين نظام البعث البائد. واليوم، بعد سقوط ذلك النظام، يحقُّ لهم أن يروا ثمرةَ نضالهم في دستور جديد يعترف بوجودهم، ويثبت حقوقهم، فهم لا يطالبون بامتيازات خاصة بل بحق طبيعي في المواطنة الكاملة والعيش بكرامة.

رغم سقوط النظام، فإن بناء الدولة ليس مهمة سهلة. هناك تحديات كبيرة تواجه السوريين، منها غياب المؤسسات الفاعلة القادرة على إدارة البلاد بشكل ديمقراطي، والانقسامات الداخلية التي تعيق التوافق على صيغة جامعة، والفراغ الدستوري الذي يفتح الباب أمام الفوضى القانونية والسياسية، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي تجعل سوريا ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية. هذه التحديات تجعل الطريق نحو الدولة الديمقراطية أطول وأكثر تعقيداً، لكنها لا تلغي ضرورة السير فيه مهما كان الثمن.

ومع بداية عام 2026، يعلّق السوريون آمالاً كبيرة على أن يكون هذا العام مختلفاً، أن يُكتب دستور جديد يضمن حقوق كافة المكونات، أن تُجرى انتخابات نيابية ديمقراطية تعكس إرادة الشعب، وأن تُبنى مؤسسات دولة حديثة تحمي الحقوق وتحقق العدالة.

السوريون يتطلّعون إلى أن يكون هذا العام بداية حقيقية للعيش بكرامة وحرية، وأن تتحققَ مطالبُهم التي رفعوها منذ أربعة عشر عاماً. الكرد، على وجه الخصوص، يأملون أن يُترجم نضالهم الطويل إلى اعتراف دستوري بحقوقهم القومية والسياسية، ويكونوا شركاء حقيقيين في بناء سوريا الجديدة، وأن يُعترف بلغتهم وثقافتهم، ويُضمن لهم حق المشاركة الكاملة في الحياة السياسية.

إن مرور عام على سقوط النظام السوري يفتح الباب أمام مراجعة صادقة: الثورة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت ملحمة شعبية دفعت ثمناً باهظاً. لكن الثورة لا تكتمل إلا ببناء دولة ديمقراطية تعدُّدية، دستورها يحمي الجميع، وبرلمانها يُمثّل الجميع، وحكومتها تشارك الجميع.

الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقُّ أن يعيشَ حياةً كريمةً، وأن يرى ثمرة نضاله تتحقق في أرض الواقع. عام 2026 يجب أن يكون عام التأسيس الحقيقي، عام كتابة الدستور، عام الانتخابات، عام الاعتراف بحقوق الكرد وسائر المكوّنات، عام الحرية والكرامة التي حلم بها السوريون منذ أربعة عشر عاماً. فهل يكون هذا العام بداية النهاية لمعاناة طويلة، أم أن الانتظار سيطول أكثر؟ الجواب مرهون بقدرة السوريين على تحويل تضحياتهم إلى واقع سياسي جديد يليق بتاريخهم ونضالهم.