المأزق البنيوي للحالة الكردية – السورية
تورين شامدين
في الحالة الكردية – السورية، لا يمكن فهم مأزق القرار السياسي بمعزل عن التفكك الداخلي العميق الذي يسبق أي تدخل خارجي أو ضغط إقليمي. فسنوات الصراع لم تنتج فقط واقعا عسكرياً وأمنياَ معقداَ، بل كشفت عن بنية سياسية هشة، ونخب عاجزة عن الانتقال من منطق الفعل الدفاعي أو الثوري إلى مشروع سياسي ناضج يمتلك أدوات القرار المستقل والقدرة على إنتاج الشرعية.
لقد تحول القرار السياسي الكردي في سوريا، تدريجياً، من أداة تعبير عن الإرادة الجماعية إلى ما يمكن وصفه بـالقرار المؤجر: قرار لا يصاغ في الداخل بقدر ما يُدار ضمن هوامش مرسومة سلفاَ، ويعاد إنتاجه وفق توازنات الخارج، لا استناداً إلى أولويات المجتمع الكردي نفسه. وهذا التحول نتيجة مباشرة لفشل داخلي مزمن، ولخيارات واعية اتخذتها نخب سياسية فضلت إدارة العجز بدل مواجهته، والارتهان بدل بناء مشروع مستقل.
إن الانقسام الكردي لم يكن وليد التدخلات الإقليمية وحدها، بل نتاج تراكم طويل من الذهنية الحزبية الضيقة، وغياب المشروع الجامع، وتغليب المصالح الفئوية والتنظيمية على الحسابات الوطنية.
ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف السياسي تعبيراً عن تنوع صحي، بل تحول إلى بنية صراع دائمة، بل إلى نظام حكم غير معلن، تدار من خلاله الخلافات بهدف تعطيل أي إرادة جماعية حقيقية.
فالانقسام لم يضعف الموقف التفاوضي فحسب، بل جرد القرار السياسي من معناه السيادي، وحول السياسة من فعل تخطيط واستباق إلى سلسلة ردود أفعال مرتبكة، محكومة بسقوف يحددها الخارج، وتبرر في الداخل باسم الواقعية أو الضرورة.
في السياق السوري، ازدادت الأزمة تعقيداً مع تحول الجغرافيا الكردية إلى مساحة تقاطع مصالح إقليمية ودولية. غير أن خطورة هذا الواقع لا تكمن في حجم التدخل الخارجي بحد ذاته، بل في قابلية الداخل الكردي للاختراق. فالمجتمع المنقسم سياسياً، والعاجز عن إنتاج مرجعية جامعة، يقدم للخارج فرصة جاهزة لا للتأثير فقط، بل لإعادة تعريف الأولويات وتحديد سقف الطموحات السياسية.
يتحول التمثيل السياسي إلى تمثيل منزوع السيادة: تمثيل جغرافي بلا تفويض شعبي، تمثيل عسكري بلا مشروع سياسي، تمثيل تفاوضي بلا قرار مستقل.
فالحضور على الطاولة لا يعني امتلاك القرار، ما دام هذا القرار لا يستند إلى إجماع داخلي أو حدّ أدنى من التوافق الوطني. وأخطر أشكال التمثيل هو ذاك الذي يمنح الخارج شرعية الحديث باسم الداخل، دون أن يمنح الداخل حق المحاسبة أو سحب التفويض.
لم تعد الأنانية السياسية سلوكا فرديا أو خطأ عابرا، بل تحولت إلى نمط إدارة ممنهج. أفرغت المؤسسات من مضمونها التمثيلي، وتحولت إلى هياكل شكلية تستخدم لتكريس النفوذ وضبط الخلاف، لا لتنظيمه أو تحويله إلى قوة سياسية. ومع غياب الشفافية والمساءلة، بات القرار يصنع في دوائر مغلقة، منفصلة عن المزاج الشعبي، وغير خاضعة لأي رقابة مجتمعية حقيقية.
أما الجهل السياسي، فقد اتخذ شكلاً أكثر خطورة، تمثل في تغييب الوعي النقدي وصناعة جمهور منزوع القدرة على السؤال والمحاسبة. جرى تقديس الخطاب بدل تفكيكه، وتحويل القضايا المصيرية إلى شعارات غير قابلة للنقاش، وأصبح السؤال عن الجدوى أو الكلفة السياسية تهمة بحد ذاته. في هذا المناخ، لم يعد الخطأ حدثا طارئا، بل سياسة مستمرة تعاد تبريرها باسم المرحلة أو الضرورة أو الخطر الداهم.
ويزداد المشهد قتامة حين يستثمر الانقسام الاجتماعي والذاكرة الجريحة في الصراع السياسي. فبدل السعي إلى مصالحة كردية – كردية حقيقية، قائمة على الاعتراف بالأخطاء وتفكيك أسباب الانقسام، جرى توظيف التاريخ والألم الجماعي لتعميق الاستقطاب. وهكذا، لم يعد الخلاف حول البرامج أو الرؤى، بل حول الشرعية والتمثيل والهوية السياسية ذاتها.
وحين تتحول الذاكرة إلى أداة صراع، يفقد القرار السياسي قدرته على توحيد الحاضر وصناعة المستقبل.
إقليمياً، لم تكن الأطراف الفاعلة بحاجة إلى فرض أجنداتها بالقوة. فالفراغ الداخلي، وغياب التماسك، جعلا من الإلحاق السياسي عملية ناعمة، تدار عبر التفاهمات والصفقات. فالقرار الذي لا يستند إلى إجماع، يصبح قابلاً للمقايضة، ومفتوحاً على التنازلات، مهما ارتفعت شعارات الحقوق أو الشراكة.
إن أخطر ما تواجهه الحالة الكردية – السورية اليوم ليس التهميش فقط، بل التحول إلى فاعل وظيفي: حاضر في المشهد، غائب عن التأثير، يستدعى عند الحاجة، ويستبعد عند اتخاذ القرار. وهذا أخطر أشكال الإقصاء، لأنه يمارس تحت غطاء المشاركة والتمثيل.
لا معنى لأي حديث عن مستقبل سياسي كردي في سوريا ما لم يفتح ملف التفكك الداخلي بلا مجاملة ولا محرمات. فإما مشروع وطني يعيد بناء الثقة، ويؤسس لقرار جماعي مستقل، ويستعيد مفهوم الشرعية من القاعدة إلى القمة، أو استمرار في إدارة الانقسام، حتى يتحوّل الوجود السياسي ذاته إلى ملف تفاوضي يدار بالنيابة.
فالقرار السياسي لا ينتزع من الخارج، بل ينتج في الداخل أولاً. وحين يفشل الداخل في إنتاجه، لا يعود الخارج داعماً ولا شريكاً، بل حكماً يقرر السقف، ويحدد الدور، ويعيد تعريف القضية.