العدالة الانتقالية والهوية الكردية، مطالب لا تقبل المساومة
أحمد آلوجي
في اللحظات التاريخية الفارقة التي تلي بلورة اتفاقات سياسية كبرى، تبرز مسؤولية جسيمة تقع على عاتق النخب والقوى السياسية التي تمثل المجتمعات المهمشة تاريخيًا. إذا ما تحققت اتفاقات "فوق دستورية" بين الحركة الكردية و "حكومة الشرع" الانتقالية، فإنها تضع على عاتق القيادة الكردية والإجماع الوطني الكردي مهمة تاريخية، وهي المضي قدمًا بخطى ثابتة وحكيمة لتحقيق حزمة من المطالب الجوهرية لشعبها أثناء التفاوض مع حكومة المركز والتي تمثل الحد الأدنى لتحقيق العدالة الانتقالية والمواطنة المتساوية، والانتقال من مرحلة الاضطهاد إلى مرحلة الاعتراف الدستوري والمؤسسي الكامل بها.
يجب أن يكون الهدف الأول والأساسي هو الإقرار الدستوري باللغة الكردية كلغة رسمية ثانية على مستوى الدولة، إلى جانب اللغة العربية. لا يجب أن يقتصر هذا الإقرار على النصوص، بل يجب أن يترجم فورًا إلى إجراءات عملية، مثل تعميم تعليمها في المناطق الكردية، واستخدامها في الوثائق الرسمية والإعلام الرسمي، وإنشاء أكاديمية لتنميتها. كما يتوجب ضمان حرية التعبير والتخاطب بها في كل المجالات، ودعم المؤسسات الثقافية عبر السماح بافتتاح النوادي والمراكز الثقافية والمسارح الكردية في كافة أنحاء البلاد. هذه المراكز ستكون حاضنات للحفاظ على التراث والفنون الكردية وإثراء النسيج الثقافي الوطني برمته، مما يكسر حواجز الجهل والتشويه الذي تعرضت له الهوية الكردية.
لا يمكن بناء سلام مستقر على ظلم تاريخي غير مُجبر، مما يستلزم العمل على مأسسة العدالة الانتقالية في أبرز القضايا الاجتماعية. يأتي في مقدمة ذلك إنهاء معاناة متضرري "إحصاء 1962" الجائر، وهو الملف الأكثر إلحاحًا وإنسانية، والذي حرم آلاف الكرد من جنسيتهم وحق التملك بناء على إجراء تعسفي.
يتوجب تشكيل لجنة قضائية مستقلة للفصل في طلبات المتضررين، ومن ثم تعويضهم تعويضًا عادلاً، إما بمنحهم أراضي من أملاك الدولة في مناطقهم، أو بتعويضات مالية مجزية تتناسب مع حجم الخسارة والمعاناة التي استمرت لأكثر من ستين عامًا. هذا الحق الأصيل هو المدخل الأساسي لاستعادة الثقة وجبر الضرر الفردي والجماعي.
أما على الصعيد السياسي والجغرافي، فتنتقل المطالب إلى التصحيح الجماعي لسياسات ممنهجة، عبر حل وإنهاء ملف "الحزام العربي" (مشروع الغمر) بشكل نهائي، وهو السياسة التي مثلت تطهيرًا عرقيًّا وتهجيرًا قسريًّا بهدف تغيير الديموغرافيا. يجب العمل عبر قنوات قانونية وسياسية مناسبة، كإصدار تشريع خاص بإلغاء جميع القرارات المتعلقة بالمشروع واعتبارها لاغية، وإعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها الشرعيين أو تعويضهم، وإلغاء جميع الآثار القانونية والإدارية الناتجة عنه. كما يجب اعتبار هذه السياسة جريمة وطنية، ، مما يساهم في المصالحة الوطنية الحقيقية وطي صفحة الماضي.
إن السعي لتحقيق هذه المطالب المتكاملة ليس مساومة، بل هو أس الدخول في شراكة وطنية حقيقية. نجاح الحركة الكردية في هذا المسار سيكون معيارًا حقيقيًا في قدرتها على تحويل الألم التاريخي إلى مشروع مستقبلي عادل. كما أنه سيكون اختبارًا لإرادة أطراف الاتفاق في تطبيق مفاهيم الدولة المدنية الديمقراطية التي تتسع للجميع. تحقيق هذه المطالب سيشكل لحظة تأسيسية لجميع مكونات البلاد، حيث ينتقل الوطن من مفهوم الدولة الأحادية القائمة على الإقصاء، إلى دولة المواطنة المتساوية والقائمة على الاعتراف المتبصر والتعددية الخلاقة. إنه الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستقر، حيث تُصان الحقوق، وتُحترم الهويات، وتُصحح المظالم، ليس كمنّةٍ من أحد، بل كتحقيقٍ لعدالةٍ تأخرت لأكثر من ستة عقود.