عام على سقوط الاستبداد.. واستعادة الانتماء الوطني في سوريا
محمود حاجي
شكّل رحيل نظام بشار الأسد محطة مفصلية في التاريخ السوري الحديث ليس فقط بوصفه نهاية لحقبة طويلة من الاستبداد والظلم بل باعتباره فرصة نادرة لإعادة بناء مفهوم الانتماء الوطني لدولة مهدومة على أسس جديدة.
لقد أدت عقود من القمع والتهميش والظلم وإنكار الحقوق إلى تآكل العلاقة بين الدولة ومواطنيها وتحويل الوطن من مساحة جامعة إلى كيان مفروض بالقوة.
ومع سقوط الاستبداد استبشر السوريون بفتح نافذة أمل لإعادة تعريف الوطن والانتماء الوطني بوصفه عقداً سياسياً وأخلاقياً يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية.
غير أن التحول السياسي لا يكتمل بمجرد رحيل رأس النظام إذ ما تزال التحديات حاضرة بقوة.
فمرحلة ما بعد الأسد كشفت أن كثيراً من الاتفاقات والتعهدات المعلنة وغير المعلنة لم تترجم بعد إلى خطوات عملية، واتفاق العاشر من آذار مثال واضح على ذلك إذ ما يزال حبراً على ورق وتهرُّب الدولة السورية من الجلوس مع ممثلي الشعب الكوردي.
إن استمرار تفرد جهة سياسية واحدة بالقرار السياسي السوري يثير مخاوف مشروعة من إعادة إنتاج سياسات الإقصاء وإن اختلفت العناوين.
لقد كان الشعب الكوردي عبر عقود الزمن من أكثر المتضررين من سياسات النظام السابق حيث تعرض لإنكار وجوده القومي وتقييد حريته ولغته وثقافته وحرمانه من المشاركة السياسية الفعلية.
هذه السياسات لم تُضعف الكورد وحدهم بل أضعفت فكرة الوطن ذاتها وفكرة الانتماء للوطن لأن الوطن الذي يُقصي جزءاً من أبنائه يفقد شرعيته الأخلاقية والسياسية.
ومن هنا فإن استعادة الانتماء الوطني الحقيقي يمر حتماً عبر الاعتراف الصريح والعادل بالحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن إطار وطني سوري ديمقراطي.
في هذا السياق تثير بعض التصريحات السياسية مخاوف إضافية ومنها تصريحات أحمد الشرع التي تقلل من الوزن الديمغرافي والسياسي للكورد عبر حصرهم بنسبة 25% فقط.
إن مقاربة الحقوق بمنطق الأرقام تُعد اختزالاً خطيراً لمفهوم المواطنة والانتماء للوطن لأن الحقوق لا تُقاس بالحجم العددي بل بكونها حقوقاً أصيلة وغير قابلة للمساومة. فالدولة الديمقراطية لا تمنح الحقوق للأغلبية وتحجبها عن الأقليات بل تضمنها للجميع دون تمييز.
وكما يقول الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا «حقوق الكورد رايتنا الدائمة في استعادة الانتماء الوطني» هذا الحزب العريق ومن خلال المجلس الوطني الكوردي مرّر رسائل عديدة للدولة بأن الكورد يريدون أن يكونوا فاعلين سياسياً يؤمن بالشراكة الوطنية والتعددية، وينطلقوا من رؤية تعتبر أن حل القضية الكوردية هو جزء لا يتجزأ من حل الأزمة السورية الشاملة.
وأن بناء سوريا مستقرة وموحدة لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للكورد وضمان مشاركتهم الحقيقية في صنع القرار.
إن مرحلة ما بعد رحيل المجرم الساقط يضع جميع القوى السياسية أمام مسؤولية تاريخية: إما بناء وطن يتسع لجميع أبنائه أو السقوط مجدداً في فخ الإقصاء بأدوات جديدة.
فعودة الانتماء للوطن لا تتحقق بالشعارات أو التقليل من شأن المكونات بل بخطوات عملية دستورية واضحة وضمانات قانونية دولية وإرادة سياسية صادقة.
عندها فقط يمكن القول إن السوريين بدؤوا فعلاً رحلة استعادة الانتماء الوطني، وإن الوطن عاد ليكون بيتاً مشتركاً لكل السوريين دون استثناء.