كوردستان.. النهضة الحقيقية بين الإنسان والإرادة

كوردستان.. النهضة الحقيقية بين الإنسان والإرادة

إبراهيم صبري

في عالم لم تعد فيه الثروات الطبيعية وحدها مقياسًا للتقدّم والازدهار أصبح الإنسان نفسه هو الثروة الحقيقية. نيجيريا، الغنية بالنفط والمعادن ما زالت تعاني الفقر والصراعات الداخلية بينما سنغافورة التي كانت محرومة حتى من مياه الشرب أصبحت اليوم من أكثر الدول تقدمًا اقتصاديًا ومعرفيًا. اليابان بعد أن دُمرت في الحرب العالمية الثانية لم تنهض بمواردها الأرضية بل بقدرة شعبها على التعلم والعمل والانضباط لتثبت أن الحضارة الحقيقية تقوم على رأس الإنسان قبل باطن الأرض وأن الاستثمار في العقول هو الطريق الأضمن للنهضة.
كل هذه الأمثلة تعلمنا درسًا مهمًا: الثروات الطبيعية بدون إدارة واعية واستثمار في العقول لا تتحوّل إلى تقدّم بينما الأمم التي استثمرت في الإنسان صنعت المعجزات.
الفارق ليس في الموارد بل في العقل الذي يدير الموارد. هذه الحقيقة تجعلنا نفهم لماذا تتجه الشعوب المتقدمة إلى الاستثمار في الإنسان بينما تتصارع الشعوب المتخلفة على أساليب بدائية في إدارتها؟
في كوردستان نشهد تجربةً مشابهةً لتجارب الدول التي صنعت من الإنسان رأس المال الأول. فعلى الرغم من قسوة الظروف وضغط العراق السياسي والاقتصادي تحوّل الإقليم إلى منطقة استقرار ونمو. وعندما قطعت بغداد رواتب الموظفين لم يُهزم الإقليم، ولم تنهار الثقة بين المواطن وحكومته بل ازداد التماسك لأن الجميع فهم أن ما يجري لعبة سياسية قذرة هدفُها تجويع الناس وإسقاط التجربة الكردية الناجحة.
هذا الشعب الذي صمد في وجه الحرمان هو نفسه الذي وقف خلف الاستقرار الذي وضع أسسه الرئيس مسعود بارزاني. وجوده لم يكن رمزياً بل كان درعاً يمنع الانزلاق نحو الفوضى. سياسته تقوم على العقلانية واختيار التفاهم بدل الثأر وبناء وطن لا تتصارع فيه الكراهية كما يحدث في الدول التي تملك ثروات لكنها بلا حكمة.
هذه الرؤية منعت الإقليم من أن يتحول إلى ساحة لصراعات إقليمية ودخلت في عمق الهوية الكردية، فأصبح المواطن يرى نفسه جزءاً من دولة لا مجرد تابع لحزب أو قبيلة.
تحت هذا السقف السياسي المتوازن ظهرت واحدة من أهم الظواهر الاقتصادية في الإقليم: ظهور آلاف المصانع والمنشآت وصولاً إلى إنشاء أول مصنع لإنتاج هواتف «هونور». هذا الحدث لم يولد من فراغ بل من عقلية تؤمن أن التكنولوجيا ليست رفاهية بل صناعة المستقبل.
وفي الوقت نفسه تم تأسيس مشاريع طاقة وكهرباء عملاقة مثل معمل الغاز الذي تعرّض للتفجير قبل أسابيع. هذا التفجير لم يتبنَّه عدو مجهول بل كان جزءاً من حرب تخريبية منظمة تقوم بها ميليشيات عراقية مدعومة من الخارج محاولةً إطفاء نور الصناعة في الإقليم.
لكن الردُّ كان درساً لمن أراد إسقاط كوردستان: تمت إعادة تشغيل المحطة خلال ثلاثة أيام بفضل الإدارة المحترفة والكوادر والخبرة التقنية، وتحديداً عبر رؤية الرئيس مسرور بارزاني الذي لا يدير الملفات بشعارات بل بأفعال وتحويل التحديات إلى إنجازات. هذا ما يجعل النمو في كوردستان نمواً حقيقياً لا ورقياً.
وفي الوقت الذي تُفجّر فيه معالم التنمية، تظهر العوائق من الداخل أيضاً، ليس من الشعب ولكن من بعض الأحزاب الكردية المعارضة التي تبني وجودها على معاداة تجربة الإقليم، وبعض الشخصيات اللاوطنية التي تبيع ولاءها وتعمل مع أعداء كوردستان. هي لا تناقش مشاريع، ولا تقدّم حلولاً بل تسعى لإحباط أي نجاح وتبحث عن ثغرة تنفذ من خلالها إلى خلق الفزع والفتنة. هذه الفئة لا تختلف كثيراً عن الميليشيات العراقية التي تستهدف المعامل، فالهدف واحد: إسقاط نموذج كوردستان الناجح لأن نجاح هذا الإقليم يفضح فشلهم.
لكن وسط هذا التخريب لم يضعف الإقليم والسر ليس فقط في القيادة السياسية بل في شبكة الاستقرار التي ساهم فيها الرئيس نيجيرفان بارزاني منذ سنوات. الرجل الذي تحوّل إلى واجهة دبلوماسية وثقة دولية ربط كوردستان بأسواق العالم عبر سياسة صامتة لكنها فعّالة. ليس في صالات المؤتمرات فقط بل في توقيع الاتفاقيات الاقتصادية وجذب المشاريع، فصار الإقليم موثوقاً لدى الشركات العالمية، وأصبح بوابة العراق نحو الاستثمارات. دوره لم يأتِ في سياق تسلسل قيادات بل جاء في سياق بناء جسور دبلوماسية واقتصادية حفظت الإقليم من العزلة.
ومع كل هذا لم تكن أجهزة الأمن الكوردستانية مجرد قوة عسكرية بل قوة استقرار. هي التي حالت دون تحول الإقليم إلى ساحة للفوضى وهي التي واجهت التفجيرات والمخططات الإرهابية دون أن تسمح للخوف بالتسرُّب إلى المجتمع. هذه المنظومة الأمنية لم تُسخّر للترهيب بل لحماية حياة الناس والمشاريع والاقتصاد، وبهذا أصبحت عاملاً أساسياً في جعل كوردستان نموذجاً آمناً في منطقة يغرق جوارها في الحروب.
وإذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادته التنظيمية والسياسية هو الهيكل الذي يحمل التجربة فإن الشعب الكردي كان القلب الذي ينبض داخل هذا الهيكل. فالشعب الذي لم يسقط أمام الحرمان الاقتصادي ولم ينزلق وراء خطاب الكراهية الداخلية أثبت أن الوعي هو أثمن ثرواته. في حين أن الشعوب المتخلفة تتقاتل حول باطن الأرض، كان هذا الشعب يرد على التخريب بالمزيد من التماسك.
هذه التجربة لا يمكن اختصارها في نجاحات حكومية أو مشاريع تقنية فقط بل هي نموذج إنساني: من يحاول العيش بلا عقول يسقط، ومن يصنع مستقبله بإرادته ينتصر.
لقد أرادت الميليشيات أن تجعل من كوردستان نيجيريا أخرى لكن قيادتها وشعبها أرادوا أن يجعلوها تجربة من نوع سنغافورة: صغر المساحة، قوة الإدارة وثقة الإنسان بقيمته.
كوردستان ليست قصة تروى بل درس يحتذى درس يقول: الثروة ليست في النفط بل في الإنسان والانتصار ليس في الحرب بل في الاستقرار والقوة ليست في السلاح، بل في الإرادة.