الاتجاه المعاكس… حين يتحوّل الإعلام إلى منبر تحريض على الكرد

الاتجاه المعاكس… حين يتحوّل الإعلام إلى منبر تحريض على الكرد

صلاح عمر

لم يكن ما طرحه فيصل قاسم في برنامجه على قناة الجزيرة مجرّد عنوان استفزازي عابر، بل كان خطابًا تحريضيًا متكامل الأركان، يبدأ بالإدانة قبل النقاش، ويؤسس للكراهية قبل أي محاولة للفهم. حين يختار عنوانًا من قبيل:
«قسد وأخواتها: لماذا تقبل على نفسها أن تكون أدوات رخيصة لتمزيق سوريا وتهديد تركيا؟»
فنحن لسنا أمام سؤال إعلامي، بل أمام محاكمة جاهزة، تُجرّد الكرد من إنسانيتهم، وتختزل وجودهم السياسي والتاريخي في توصيف مهين: “أدوات رخيصة”.
هذا العنوان لا يناقش دور قسد، ولا يفتح بابًا لفهم تعقيدات المشهد السوري، بل ينطلق من مسلّمة خطيرة مفادها أن الكرد خطرٌ بذاتهم، وأن أي قوة كردية هي بالضرورة مشروع تخريب وتهديد. هكذا، يُختزل شعب كامل بتاريخه وتضحياته إلى وظيفة أمنية في خطابٍ أقرب إلى بيانات التحريض منه إلى الإعلام.
الأخطر في طرح فيصل قاسم أنه يتبنّى الرواية التركية بحذافيرها، وينقلها إلى المشاهد العربي بلا مساءلة ولا تفكيك. فتصبح قسد “تهديدًا لتركيا”، لا قوة قاتلت داعش، ولا شريكًا دوليًا في محاربة الإرهاب، ولا مكوّنًا سوريًا يسعى إلى حقوقه ضمن وطنٍ تعددي. بهذا المنطق، يتحوّل الحق القومي إلى جريمة، والوجود الكردي إلى تهديد، والمطالبة بالشراكة إلى خيانة.
إن هذا النوع من الخطاب لا يُقرأ بمعزل عن السياق، بل يأتي في لحظة تتصاعد فيها حملات التحريض ضد الكرد، وتُستباح مناطقهم إعلاميًا، ويُدفع الرأي العام نحو قبول العنف كحل. هنا، لا يكون الإعلام ناقلًا للحدث، بل شريكًا في صناعة العداء، وممهّدًا نفسيًا لإقصاء مكوّن أساسي من سوريا.
وما يزيد المشهد قتامة، أن من يقدّم هذا الخطاب هو شخص لم يتردّد يومًا في استضافة دعاة الفتنة، ولا في تلميع شخصيات مرتبطة بالإرهاب، ولا في المتاجرة بدماء السوريين، ثم يتقمّص فجأة دور الحريص على “وحدة سوريا”. أي وحدة هذه التي تُبنى على شيطنة الكرد؟ وأي وطن يُؤسَّس عبر التحريض العرقي والطائفي؟
إن اختزال الصراع السوري في ثنائية “دولة مقابل ميليشيا” ليس سوى تضليل متعمّد. فالدولة السورية لم تُبنَ بعد، وما يجري هو صراع على شكل الدولة المقبلة: هل ستكون دولة ديمقراطية تعددية تعترف بشركائها التأسيسيين، أم سلطة إقصائية تُعيد إنتاج الاستبداد بوجه جديد؟ وفي هذا السياق، يصبح سلاح الكرد ورقتهم الوحيدة لحماية وجودهم، لا أداة تهديد لأحد.
لهذا، فإن مشاركة أي كردي في برامج تُصمَّم عناوينها للإهانة والتحريض ليست حوارًا، بل تواطؤ غير مباشر مع خطاب الكراهية. فحين تكون قواعد النقاش منحازة، والاتهام مسبقًا، فإن الظهور الإعلامي يتحوّل إلى تزكية للجلاد لا دفاع عن الضحية.
إن مقاطعة برنامج “الاتجاه المعاكس” ليست انسحابًا من الفضاء العام، بل موقف سياسي وأخلاقي واعٍ. فالإعلام الذي يحرّض على الكراهية، ويفتح الطريق أمام الاقتتال العرقي، لا يُواجَه بالمشاركة، بل بالفضح والمساءلة.
وسيبقى الكرد، رغم كل هذا الضجيج، شعبًا يعرف من هو، وما يريد، ولن يسمح لمنابر الحقد أن تصوغ صورته، أو تختصر قضيته، أو تحرّض على دمه باسم حرية التعبير.

فيصل قاسم لا يقدّم برنامجًا حواريًا، بل يدير منصة تحريض. لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الصدام. لا يهمّه مستقبل سوريا، بقدر ما يهمّه عدد المشاهدات ونشوة إثارة الغرائز.
إن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم ليس فقط السلاح، بل الكلمة المسمومة التي تسبق الرصاصة وتبرّرها.
سيُسجَّل في الذاكرة أن هناك من اختار، في لحظة تاريخية مفصلية، أن يكون بوقًا للكراهية بدل أن يكون جسرًا للعقل.
أما الكرد، الذين يحاول هذا الخطاب شيطنتهم، فقد تعلّموا من تاريخهم الطويل أن الحملات العنصرية تزول، وأن الحقيقة – مهما حوصرت – لا تموت.