فؤاد عليكو .. وتجربة التمثيل الكردي في البرلمان السوري

فؤاد عليكو .. وتجربة التمثيل الكردي في البرلمان السوري

حاوره: أرمانج أمين

في هذا الحوار الحصري لصالح صحيفة «كوردستان»، نستضيف السيد فؤاد عليكو، عضو مجلس الشعب السوري السابق والذي يشغل حالياً عضوية اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكوردستاني – سوريا، والمقيم في باريس.
نسعى من خلال هذا الحوار إلى تسليط الضوء على التجربة السياسية للحركة الكردية في سوريا، خصوصًا خلال انتخابات عام 1990 وما تبعها من تطورات، والتحديات التي واجهت الكرد في البرلمان، إلى جانب محاولات التنسيق بين القوى الكردية والعمل على قضاياهم الأساسية.

* كيف كانت الأجواء السياسية في سوريا قبل انتخابات عام 1990، خصوصًا بالنسبة للكورد؟
** كان النظام وحتى عام 1990 يقوم على تشكيل قوائم جاهزة مغلقة بأسماء المرشّحين لعضوية مجلس الشعب، وكان يسخّر كل موارد الدولة والأجهزة الأمنية لدفع الناس للذهاب إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم دون الالتزام بالغرفة السرية. إضافةً إلى ذلك، كان يتم توجيه قواعد البعث وشبيبة الثورة التابعة لهم لاستنفارهم للقيام بالدعاية وتوزيع البطاقات الانتخابية في المدن والقرى وعلى أبواب مراكز الاقتراع، إضافةً إلى تعيين جميع اللجان المشرفة على صناديق الاقتراع من البعثيين.
وكانت الحركة الكردية تشارك في الانتخابات، وتقدّم مرشّحيها دون الأمل بالفوز نهائيًا، بل لاستغلال هذه الفرصة لمدة شهر كامل كل أربع سنوات للقيام بالنشاط العلني والتواصل المباشر مع جماهيرها وإثبات ذلك للنظام بأن الشارع الكردي يقف مع حركته السياسية وعدم ترك الساحة مفتوحة للبعث. وكان يتم اختيار عدة مرشّحين حتى وإن كانوا من الحزب الواحد للقيام بهذه النشاطات، ثم يُوجّه ناخبوه للتصويت للشخص المعتمد.
لكن في عام 1990، وبعد التغييرات الكبيرة التي حدثت في أوروبا الشرقية، شعر حافظ الأسد بالهلع من أنّ رياح التغيير قد تطال الأنظمة الدكتاتورية في العالم. لذلك أصدر قرارًا بإفساح المجال للمستقلّين بنسبة الثلث لأعضاء البرلمان من أصل 250، وللبعث والجبهة الوطنية التقدمية نسبة الثلثين.
وهذا حقق أمرين:
إبقاء القرار بيد النظام دون منازع.
تنفيس الاحتقان الشعبي إلى حدٍّ ما.
لاحقًا، لجأ النظام إلى إدراج أسماء مستقلّين مقبولين ضمن قائمة الجبهة، ما منع المستقلين الحقيقيين من النجاح، وطبق هذا الأسلوب في انتخابات 1994، وظل متبعًا حتى إسقاط النظام في 8 كانون الأول 2024.

* ما هي الأحزاب الكردية التي كانت مشاركة أو موجودة في ذلك الوقت، وهل كان لها أي تأثير رسمي على الانتخابات؟
**كان هناك خمسة مرشحين لخمسة أحزاب:
كمال درويش، مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا.
حميد حاج درويش، مرشّح الحزب الديمقراطي التقدمي.
صالح عمر، عن حزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) الذي كان يترأسه إسماعيل عمر، الذي تحول فيما بعد إلى (حزب الوحدة.)
أشرف الملا، مرشّح الحزب اليساري.
فؤاد عليكو، ممثّل حزب الاتحاد الشعبي.
بالإضافة إلى حزبين آخرين بلا مرشحين في الجزيرة، هما حزب الشغيلة وحزب العمل الكردي، وكانا يقفان مع الحركة الكردية في كل الأمور.

* ما الذي دفع الحركة السياسية للمشاركة في الانتخابات، وما الذي دفعك للترشح للانتخابات، وكيف تم التوافق على أسماء المرشحين ضمن الكتلة الكردية؟ وهل كان هناك أحزاب كردية قاطعت الانتخابات في تلك الدورة؟
**بالنسبة للكرد، كانت التجربة الأولى لتحقيق الفوز في الانتخابات، إذ لأول مرة يتم انتخاب ممثلين حقيقيين للشعب الكردي في البرلمان منذ تأسيس الدولة السورية. وقد دخل ممثلو الحركة ضمن لائحة المستقلين، لأن النظام كان يصنف التنظيمات الكردية على أنها محظورة.
هناك منحى عاطفي: شريحة كبيرة من الشعب الكردي رأت وصول ممثلي الحركة إلى البرلمان إنجازًا كبيرًا ونهاية فصل طويل من الحرمان والتمييز العنصري.
ومنحى سياسي: القوى السياسية الكردية تابعت الموضوع بحذر، ورأت في المشاركة خطوة إيجابية وبداية انفتاح محتمل للنظام تجاه الشعب الكردي.
أثناء تشكيل القائمة الكردية، واجهت الحركة مشكلتين:
الاتفاق على عدد المرشّحين: بعض الأحزاب اقترحت الاكتفاء بمرشّحين اثنين فقط لتفادي التّصادُم مع قائمة الجبهة، لكن بقيت الضغوط من الشارع الكردي تطالب بتشكيل قائمة أكبر، فتم التوافق على ثلاثة مرشحين.
اختيار المرشح الثالث: بعد مداولات طويلة، تم اختياري كمرشّح ثالث إلى جانب المرحومين حميد درويش وكمال أحمد درويش.

* كيف كانت تجربة غرفة الانتخابات ومن كان يترأسها؟
** شكلت الحركة الكردية لجانًا في جميع المناطق لإدارة العملية الانتخابية، وكان لها مكتب رئيسي في قامشلو يشرف عليه قياديون من الحركة ينسقون العمل مع المكاتب الفرعية. المرشحون قاموا بجولات ميدانية وإلقاء كلمات للحشود لتشجيع الوقوف إلى جانب القائمة الكردية.

* هل كنتم قادرين على مناقشة قضايا الكرد بحرية؟
** البرلمان كان مسيطراً بالكامل من قبل حزب البعث، وكان جدول العمل محددًا للمواضيع الخدمية فقط. ومع ذلك، كنا نستغل مناقشة الموازنة لإدراج بعض القضايا المتعلقة بالكرد، رغم أن أيّ قرار يحتاج إلى موافقة الثلثين من أعضاء البعث وحلفائهم.

* هل واجهتم قيودًا عند محاولة تقديم اقتراحات أو مشاريع قوانين تخص الكرد؟
** أهم إنجاز كان الحصول على موافقة مجلس الشعب لتحويل قامشلو إلى محافظة. لكن الحكومة ماطلت، وجرى لقاء عدة مسؤولين مثل رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والإدارة المحلية، دون نتائج فعلية. رئيس مجلس الشعب أوضح أن القرار سياسي ويحتاج لموافقة القيادة القطرية، لكن سمح بمرور الاقتراح ليتم الحديث عنه لدى الكرد.

* كيف كان التحالف أو التعاون مع المكوّن العربي في الجزيرة السورية أثناء الانتخابات أو داخل البرلمان؟
**انضم إلى قائمتنا أحمد العويد، لكنه لم يفز، بينما فازت بعض الشخصيات المستقلة مثل المهندس بشير السعدي من المنظمة الآشورية وشخص من الغمر. التحالف مع العرب كان محدودًا ولم يحقق نتائج كبيرة.

*هل كان هناك تنسيق أو تواصل بينكم وبين الكرد في مناطق أخرى من سوريا؟
** نعم، اجتمعنا في منزل الزميل عبدالحميد غباري، وكان التنسيق بين النواب الكُرد من مختلف المناطق جيدًا لدرجة كبيرة، وتم الاتفاق على ترك الخلافات السياسية جانبًا والتركيز على قضايا الشعب الكردي.

*هل ترى أن الكرد قادرون على أن يكونوا كتلة واحدة في البرلمان السوري مستقبلاً؟ وهل يمكن إعادة تجربة التمثيل الموحد بشكل أقوى؟
** إذا توفّر المناخ الديمقراطي مستقبلاً، يمكن للكرد من عدة محافظات (الحسكة، حلب، دمشق، الرقة، حماه، اللاذقية) تشكيل كتلة وازنة في البرلمان، والتنسيق مع الكتل الأخرى لتحقيق نتائج مقبولة.

* نشكرك على هذا الحوار، هل لديك شيء تريد أن تختم به؟
**سأكتفي هنا بتدوين إحدى الكلمات أثناء مناقشة الموازنة في 1-12-1992 والتي تلخص مجمل القضايا التي كنا نناقشها وندافع عنها، لكن لا حياة لمن تنادي.
(السيد الرئيس- السيدات والسادة الأعضاء:
إن ما جاء به البيان الوزاري من تفصيل وتوضيح لكثير من النقاط التي قامت وتقوم بها الحكومة وفي جميع المجالات يظهر أن لدى الحكومة طموحاً وقدرة على مواجهة الكثير من التحديات، سواءً الاقتصادية منها أو السياسية أو الاجتماعية للوصول إلى عدد كبير من الإيجابيات والتي تصب جميعها في مصلحة الوطن والمواطن، ونأمل لها الاستمرارية في هذا التوجه الإيجابي، كما أن هذا التفاعل الإيجابي والمثمر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يساهم بشكل كبير في تذليل الكثير من الصعوبات والعراقيل التي تعترض عمل الحكومة، لذلك عندما نناقش اليوم بيان الحكومة علينا أن نسلّط الضوء على عدد من القضايا الملحّة والتي لابد من معالجتها، وتحتاج إلى جهودنا جميعاً في سبيل تجاوزها وبما يحقق الخير لوطننا ومجتمعنا ككل ومن أهمها:
١- الوضع المعاشي لذوي الدخل المحدود: إنه أمر مؤسف ألا يتطرق البيان مطلقاً إلى وضع هؤلاء المكتوين بنار الغلاء وقلة الدخل، وكأن الأمور تسير بالنسبة لهم بشكل طبيعي ولا مشكلة لديهم.
نحن نعرف أن كثيرين لا يعيشون واقعهم لكنهم يعرفونها أو من المفترض على اطلاع عليها، فلا يوجد شخص في سوريا ومهما كانت درجته الوظيفية أن يصل براتبي فقط إلى نهاية الشهر دون أن يستدين ما يعادل نصف راتبه على الأقل، لذلك يضطر مرغماً إما إلى البحث عن عمل إضافي ومهما كان نوع هذا العمل أو اللجوء إلى التحايل والغش والرشوة لتأمين لقمة أولاده، إن أمثال هؤلاء لا يحتاج إلى مبررات ومهما كانت نوعها، بل يحتاج إلى معالجة فورية من قبل الحكومة ونأمل منها أن تسمع صرخاتهم ويستجيب لها بما يكفل العيش الكريم لهم ولأسرهم.
2- في مجال الزراعة: لاشك أن الحكومة السابقة قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال واستطاعت في فترة قصيرة تحقيق الاكتفاء الذاتي بل والفائض في الكثير من المنتجات الزراعية ومع ذلك لازال أمام الحكومة الحالية الكثير من الصعوبات والعوائق في ذلك المجال لابد من تجاوزها مستقبلا لنتمكن من الحصول على الفائض في معظم المحاصيل الزراعية ومنها:
أ- الاهتمام بالطرق الزراعية، خاصة في مناطق الزراعة المسقية والمناطق التي تكون نسبة الأمطار عالية فيها.
ب- تأمين البذار والسماد حسب حاجة الفلاح وطلبه وفي الوقت المناسب.
ج- تأمين البيكات والجرارات والحصادات الزراعية المكتتب عليها منذ أكثر من عشر سنوات، علماً أننا نتلقى منهم يومياً عشرات الأسئلة حول هذا الموضوع ولا جواب لدينا.
د- تسليم القروض المتوسطة للفلاحين الذين منحوا تراخيص حفر الآبار الارتوازية، علماً أن منح القروض متوقف منذ عدة شهور وخلق لديهم إرباكات شديدة بسبب ذلك.
٣- في مجال الصحة: نأمل من الحكومة الإسراع في إنجاز المشافي والتي قيد التنفيذ منذ سنوات والعمل متوقف فيها مثل مشفى القامشلي والمالكية ورأس العين.
٤- في مجال سيادة القانون: هناك إشارات واضحة ومتفائلة من الحكومة بهذا الصدد مثل ورود عبارات (هذا الوطن للجميع ويحتاج إلى جهود أبنائه جميعاً) و(سيادة القانون هي قوام الحياة في كل مجتمع وأن المعايير الحضارية لأي مجتمع تتمثل في السيادة المطلقة للقانون لأن سلطة القانون تعني سلطة الشعب ولا أحد فوق الشعب والقانون).
إن تطبيق هذا المبدأ على الواقع الحياتي لمجتمعنا يتطلب معالجة جملة من القضايا الأساسية في هذا المجال ومنها:
ا- أن تكون السلطة القضائية هي الجهة المؤهلة والمخولة والوحيدة بتطبيق النصوص القانونية تطبيقا سليماً، مع تأمين الضمانات الأساسية التي تضمن لها الحيادية والاستقلالية في أداء وظيفتها.
ب- وقف العمل بقانون الطوارئ، لأن القانون فرض في ظروف استثنائية مرت به بلادنا وقد زال الظرف ولايزال القانون معمولا به، كما أن استمرار العمل به خلق لدى المواطن شعورا دائماً بالخوف من الاعتقال الكيفي تلازمه حيثما حل، وكذلك لا يمكن الجمع والتوفيق بين سيادة القانون والسلطة القضائية وبين تطبيق الأحكام العرفية.
ج- كي يوضع شعار (الوطن للجميع)، يجب أن تتحقق المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع أبناء الوطن الواحد سواءً أكانت هذه الحقوق سياسية أم ثقافية أم اجتماعية أم اقتصادية وإفساح المجال لكافة القوى والشرائح الاجتماعية والسياسية من التعبير عن رأيها بحرية وديمقراطية بعيداً عن الوسائل التي تخلق شعوراً بالتسلط أو الغبن، فشعار المساواة بين أبناء الوطن الواحد لا يحتاج إلى تأويل أو اجتهادات لتفسيره.
د- إعادة النظر بالعديد من القوانين التي لم تعد تنسجم والوضع الحياتي المعاصر، مثل قانون (٩٣) لعام ١٩٥٢ والقانون رقم ٦٠وقانون العلاقات الزراعية وغيرها.
ه- الإفراج عن المعتقلين السياسيين في البلاد.
و- بقي موضوع واحد أريد الحديث عنه ولا أعرف في أي باب يمكن أن نصنفه، هذا الموضوع الذي بدأنا نتحسس من طرحه وبدأ الكثيرين من زملائنا يتحسسون من سماعه أيضا ونحن وهم محقون في ذلك، لكن الضرورة والمعاناة تفرض علينا ذلك ألا وهو موضوع المجردين من الجنسية السورية منذ ثلاثين عاماً وحتى الآن ولم نجد تفسيراَ مقنعاً لهذا التجريد سوى انتمائهم القومي وهنا نسأل الجميع ما ذنب هؤلاء كونهم خلقوا أكرادًا، وهل يستطيع الإنسان التحكم في ماهية خلقه؟
نحن نعرف أن الشعب الكردي في سوريا قد ارتبط تاريخياً ومصيرياً وعقيدة منذ مئات السنين مع أخيه العربي في جميع مجالات الحياة، عرفه الإنسان العربي جاراً وصديقاً وزميلاً ومجاهداً ومقاتلاً وحارساً وشهيداً، فهل وجدتم حوله شيئا تستدعي الضرورة معاقبته بمثل هذا العقاب الذي قلما نجد في العالم مثيلا له.

أعتقد أن لا شيء من هذا القبيل، لذلك أناشد رئيس المجلس ورئيس الحكومة وهما المطلعان على الوضع أكثر من غيرهم أن يبذلا كل جهد لوضع حد لمثل هذه المعاناة وإعادة الجنسية لهؤلاء الذين كانوا مواطنين يوما ما.
أما إذا لم يكن بالإمكان تحقيق ذلك ولأسباب تقتضيها المصلحة العامة، فلماذا تطبق هذه العقوبة على شريحة لا تتجاوز ١٠%من مجموع الأكراد في سوريا وجلهم من الفقراء، لأن معظم الميسورين قد أعادوا جنسيتهم بطرق شتى ومعروفة، فعدالة القانون تكمن في شموليتها، ولأنه اذا لم يكن بالإمكان مساواتنا في الأفراح فلنكن متساوين في الأتراح.
وأخيرا نتمنى من الحكومة أن تترجم بيانها إلى الواقع العملي مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات أعضاء مجلس الشعب.