هل تخطط تركيا لـ «لوزان» ثانية في دهاليزها المظلمة؟

هل تخطط تركيا لـ «لوزان» ثانية في دهاليزها المظلمة؟

فياض إسماعيل

على امتداد قرنٍ كامل، لم تهدأ القضية الكُردية، ولم تجد سبيلها إلى العدالة، على الرغم من الكمّ الهائل من التحولات الجيوسياسية الكبرى التي عصفت بالمنطقة؛ فمن معاهدة (سيفر) إلى اتفاقية (لوزان)، ومن قمم جبال كُردستان الشاهقة إلى أروقة السجون وممرات الإذعان، ظلّ الكُرد على هامش التسويات والمهادنات؛ تستخدم قضيتهم كورقة ضغط حيناً، وتدفن في ملفات الاتفاقات والمساومات الرخيصة حيناً آخر.

في هذه اللحظة الحاسمة من مسار الأحداث، ومع تصاعد السرديات المتناقضة حول صفقات الظل بين تركيا وحزب العمال الكردستاني (PKK)، والتي تنطوي على الكثير من الشكوك والغموض، يتبدى لنا أن التاريخ بصدد اختبار دهشتنا من جديد، مستحضراً أشباح لوزان، وكأن قرناً كاملاً لم يمضِ، ولكن بأدوات وأسماء جديدة، حيث يسحبنا من سيفر إلى لوزان؛ من الاعتراف إلى الإلغاء والإنكار.

بعد الحرب العالمية الأولى، قسّمت كُردستان بموجب اتفاقية سايكس–بيكو بين الدول الناشئة، وألغي قيام دولة كُردية مستقلة بموجب اتفاقية لوزان، التي أبطلت الاعتراف الدولي بالقومية الكُردية، رغم أن الكُرد كانوا قد حصلوا على وعود صريحة بالاستقلال في معاهدة سيفر (1920).

وبعد انهيار الدولة العثمانية وتقاسم مستعمراتها، انبثقت الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال (أتاتورك) وعصمت إينونو، الكُردي المتنصل، حيث تغيّر ميزان القوى الدولي، ودعمت الدول الأوروبية الحركة التركية الجديدة، ما أدى لاحقاً إلى إلغاء أحكام معاهدة سيفر عبر اتفاقية لوزان (1923)، والتخلي كلياً عن الوعود التي قدمت للكُرد بحق تقرير المصير.

وفي خضم تلك اللعبة لعب كل من مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية ومهندس مشروع تركيا الواحدة بلا قوميات، وعصمت إينونو، الكُردي المتبنّي للتتريك نسباً وولاءً، دور المفاوض الذي أقنع الغرب بوحدة تركيا، كما استخدم حسن خيري، الكُردي، استخداماً شكلياً وارتدوه الزي الكُردي ليعتلي البرلمان التركي لإلقاء خطابه ليعلنوا بذلك مشاركة الكُرد في تأسيس الجمهورية، وقد أدت هذه الوجوه دورها في إجهاض القضية الكُردية في تلك المرحلة، وصولاً إلى توقيع اتفاقية لوزان (1923) التي ألغت بنود معاهدة سيفر الخاصة بقيام دولة كُردية مستقلة، ودفنت حقهم في تقرير مصيرهم تحت شعار وحدة الدولة التركية، ثم أعدم حسن خيري بعد انتهاء مهمته مع زيه الكُردي.

وها هي ملامح لوزان جديدة تلوح في أروقة المرحلة الراهنة، فبعد قرنٍ من الزمن، يعود المشهد الكُردي–التركي إلى الواجهة، وتبدو تركيا في ظل التحولات الإقليمية الداخلية والخارجية، وكأنها ترتّب لعقد صفقة جديدة مع الكُرد، تحسباً لما تشهده المنطقة من ثورات واضطرابات تهيئ لإعادة تقسيم حدود الشرق الأوسط.

ويتداول حديثاً عن مفاوضات واتصالات حثيثة بين أنقرة وقيادات من حزب العمال الكُردستاني (PKK)، مع تلميحات يطلقها رجب طيب أردوغان بشأن مرحلة جديدة للسلام خالية من الإرهاب، وتحاكي هذه المفاوضات إلى حد بعيد المسرح السياسي الذي سبق اتفاقية لوزان الأولى، وعلى أعتاب اتفاقٍ يستثمر فيه وجوه كُردية لإضفاء شرعية مزيّفة، فتتكرر الأدوار بين الماضي والحاضر على النحو الآتي:
مصطفى كمال أتاتورك يقابله رجب طيب أردوغان، عصمت إينونو المتنصل عن قوميته يقابله هاكان فيدان، حسن خيري المستخدم كواجهة كُردية يقابله عبد الله أوجلان.

كل ذلك يتمحور حول تفويت الفرصة التاريخية على القضية الكُردية، واحتوائها وانصهارها في بوتقة الدولة التركية؛ أي دفن الهوية القومية الكُردية وإعادة إنتاجها بشكل رمزي بلا مضمون.

وما يجري اليوم لا يبدو مشروع حل حقيقي، بل إعادة إنتاج لمعادلة قديمة بثوب جديد، فتركيا تحاول إعادة ضبط المشهد الكُردي وفق رؤيتها للأمن القومي، بحيث يتحول الخطاب من شعب له حقوق إلى إعادة إنتاج الأسطوانة اللوزانية ذاتها مواطنون يحتاجون إلى الاندماج، وفي المقابل، تستخدم الورقة الكُردية لتحقيق مكاسب على مستويين:
داخلياً: استمالة الشارع الكُردي انتخابياً وتهدئة المعارضة القومية،
خارجياً: تقديم نفسها أمام الغرب كدولة تصنع السلام وتطوي ملف الإرهاب.

لكن هذا السلام المقنّع يشبه تماماً سلام لوزان المشؤوم، سلام يفرض على الكُرد ولا يبنى معهم، ويستخدم لتجميل صورة الدولة التركية أمام المجتمع الدولي.

ومن خلال النظر إلى هذه الوقائع، يتضح أن غياب التمثيل الكُردي الحقيقي كان السبب الأبرز في ضياع الفرص التاريخية، ففي معاهدة سيفر كانت الفرصة موجودة، لكن غياب التمثيل سمح بتبديلها في لوزان، واليوم من يظن أن القضية الكُردية قابلة للاختزال أو الانحناء أمام ألاعيب سياسية نتنة، فهو مخطئ؛ فالشارع الكُردي، ومن خلفه أحزاب سياسية، بات أكثر إدراكاً وفهماً لتعقيدات اللعبة السياسية يدركون تماماً ما يدور في أروقة السياسة، ويستطيعون التمييز بين المراوغة والدبلوماسية المزيفة، فهيهات أن يستدعى حسن خيري جديد لتسوية زائفة كما جرى في لوزان الأولى.

فالاعتراف الرمزي لا يساوي شيئاً للقضية الكُردية إن لم يقرّ بالهوية والحقوق القومية الحقيقية للشعب الكُردي دستورياً، فالقضية الكُردية ليست ملفاً أمنياً ولا ورقة تفاوضية، بل قضية أرض وشعب يسعى إلى الكرامة والاعتراف على أرضه التاريخية.

والذين كتبوا سطور لوزان الأولى أرادوا محو صوت الكُرد، والذين يخططون للثانية يسعون إلى إسكات ذلك الصوت باسم الوحدة والسلام، لكن الشعوب التي تتعلم من التاريخ لا تخدع مرتين؛ فالوعي هو السلاح الحقيقي الذي يمنع تكرار المأساة، ويحوّل لوزان الجديدة من فخ سياسي إلى فرصة لنهضة قومية واعية.