الدستور بين إشكالية النص والممارسة
محمد صالح شلال
تعدُّ عملية صياغة الدستور في الدول التي تمرُّ بمراحل انتقالية كسوريا، حجر الزاوية في إعادة بناء العقد الاجتماعي. وتثبيت الحقوق المشروعة للشعب الكوردي، والاعتراف الدستوري الصريح بالتنوع القومي والديني دون تمييز، يمثل "مكسباً قانونياً وسياسياً" كبيراً يجب العمل على تحقيقه. هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى الضرورية لإنهاء عقود من الإقصاء الممنهج وسياسات التعريب والإنكار.
مع ذلك، فإن القراءة المتعمقة للتجارب السياسية المقارنة تؤكّد حقيقةً راسخةً وهي أن النصوص الدستورية لا تحمي نفسها بنفسها. فالعبرة تكمن دائماً في آليات التنفيذ، وفي البيئة الحاضنة لهذه النصوص؛ فالنص ما هو إلا أداة، وقيمته ترتبط بمدى اقتناع الفاعلين السياسيين والمجتمع بمضمونه.
إن التحدي الأخطر الذي يواجه مستقبل الحقوق الكوردية في سوريا ليس فقط صياغة المادة الدستورية، بل هو في تفكيك "البنية الذهنية" التي تحكم العمل السياسي والمجتمعي. وكذلك وَهِم "حكم الأكثرية" ولا تزال الذهنية السياسية في المنطقة محكومة بمفهوم "الأكثرية العددية" بدلاً من "الأكثرية السياسية".
في الديمقراطيات التوافقية التي تناسب المجتمعات المتنوعة كسوريا، لا يجوز للأكثرية القومية أو الدينية أن تفرض رؤيتها وتلغي خصوصية المكونات الأخرى بذريعة الصندوق الانتخابي. فالشراكة الدائمة هي المبدأ الحاكم.
يتطلب التنفيذ الحقيقي للدستور مغادرة روح العنصرية البغيضة التي ترسخت عبر سنوات من التعبئة الأيديولوجية الشوفينية. والاعتراف بالآخر كشريك كامل في الوطن (المواطنة المتساوية) هو الضامن الوحيد لتحويل النص الدستوري من حبر على ورق إلى واقع معاش، ويضمن عدم تحول الحقوق إلى مجرد شعارات خالية من المضمون.
لعل المثال الأقرب والأكثر وضوحاً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور هو التجربة في العراق المجاور، والتي تعد بمثابة "جرس إنذار" للمشروع السوري المستقبلي. أقر دستور عام 2005 عراقاً ديمقراطياً فيدرالياً تعددياً، واعترف بإقليم كوردستان ككيان فيدرالي دستوري، ومنح اللغة الكوردية صفة الرسمية، وحدد آليات لتقاسم الثروة والسلطة. لكن برغم رقي النصوص، أثبتت التجربة العملية هيمنة "العقلية المركزية" في بغداد. لقد تم استخدام المحكمة الاتحادية في كثير من الأحيان كأداة سياسية لتقويض سلطات الإقليم، وتم التشبث بالقرارات المركزية، والمماطلة المستمرة في تنفيذ الاستحقاقات الدستورية، لا سيما ما يتعلق بالموازنة والرواتب وحصص الإقليم من الثروة وتنفيذ المادة ١٤٠. لقد أثبتت التجربة أن الدستور وحده لم يستطع حماية الفيدرالية من نزعات الهيمنة، لأن "الثقافة السياسية" للنخبة الحاكمة ظلت مركزية شمولية. هذه النخبة تنظر إلى الفيدرالية كـ"منحة مؤقتة" أو "خطر يجب تحجيمه"، لا كنظام إدارة رشيد وضروري للتنوع.
حتى لا يتحول الاعتراف بحقوق الكورد وباقي المكونات في الدستور السوري القادم إلى مجرد "ديكور قانوني"، يجب العمل على مسارين متوازيين لضمان التزام دائم وغير قابل للتراجع:
يجب أن يتضمن الدستور مواداً "فوق دستورية" أو مبادئ حاكمة لا يجوز تعديلها إلا بأغلبية مطلقة أو عبر استفتاء خاص، تضمن حقوق المكونات وتمنع طغيان الأكثرية. فالتجارب العالمية المتقدمة تدرك أن حماية التنوع تتطلب حماية دستورية "مؤبدة" وراسخة:
فمثلاً الدستور الألماني (المادة 79/٣ - شرط الأبدية): يمنع هذا الشرط إجراء أي تعديل على الدستور "يمس تقسيم الاتحاد إلى ولايات (فيدرالية)، أو المبدأ الأساسي لمشاركة الولايات في التشريع، أو المبادئ المنصوص عليها في المادتين 1 و20 (حقوق الإنسان والديمقراطية)". هذا النموذج يوجب أن تكون الفيدرالية وحقوق المكونات مبدأً غير قابل للتغيير أو النكوص بقرارات أغلبية عابرة.
الدستور السويسري (المادة ٨/٣ - المساواة القانونية): ينص على أن "يتخذ القانون تدابير لإزالة أوجه عدم المساواة التي تؤثر على (المكونات الأصغر)". هذا يجسد مبدأ أن القانون يجب أن يكون استباقياً في توفير الحماية وضمان التمثيل الفعال للمكونات المتنوعة، وليس مجرد نص سلبي.
الدستور الكندي (المادة 27 - التراث التعددي): ينص على "يجب تفسير هذا الميثاق بطريقة تتوافق مع الحفاظ على وتدعيم التراث التعددي (المتعدد الثقافات) للشعب الكندي". هذا يرسخ التعددية كـ مبدأ حاكم لتفسير كل مواد الدستور، مما يمنع المحكمة الدستورية من تسييس تفسير النصوص ضد مصالح المكونات.
كما يجب تأسيس محكمة دستورية عليا مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية، وتتمتع بحصانة تمنع تسييسها كما حدث في الجوار العراقي. والأهم من ذلك الانتقال من مفهوم "الدولة القومية الواحدة" الصهرية، إلى مفهوم "دولة المواطنة الحاضنة للتنوع". وهذا يتطلب ورش عمل مجتمعية وإعلامية وتربوية ضخمة لمحاربة خطابات الكراهية والتعصب، وتعزيز ثقافة قبول الآخر والشراكة الوطنية على قدم المساواة.
بالمحصلة إن تثبيت الحقوق الكوردية في الدستور السوري الجديد هو شرط ضروري، ولكنه غير كافٍ على الإطلاق.
بدون مغادرة عقلية "المركز والأطراف" وثقافة "الغالب والمغلوب" التي تغلغلت في النخبة السياسية عقوداً، قد نجد أنفسنا أمام نص دستوري براق، وواقع سياسي بائس يعيد إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة، تماماً كما نشهد في محاولات تقويض التجربة الفيدرالية في العراق. إن الضمانة الحقيقية ليست فقط في جودة النص الدستوري، بل في وعي الشعوب ويقظتها، ومأسسة الديمقراطية بحيث لا تخضع لأهواء الحكام وتفسيراتهم المزاجية للنصوص.