أمّة الجبال…. لا تعرف الانحناء

أمّة الجبال…. لا تعرف الانحناء

ديار أوسكان

الخطر الذي ترتعد منه أنقرة وتخشاه طهران اليوم ليس ذخيرةً في مخزن سلاحٍ كُرديّ، ولا صفوفاً من الجيوش على حدودها؛ الخطر الحقيقي هو ذاكرة الكُردي التي لم تُمحَ، وإرادته التي لم تُكسر.
أمةٌ اعتادت أن تحتمي بالجبال، لا تُقهر بسياساتٍ مبنية على النكران.

ما يزعج الطغاة والفاشيين ليس الجندي وحده؛ ما يزعجهم هي تلك الشرارة التي تبرق في العيون، والوعي الذي ينتشر، والحلم الذي يحفر جذوره في ضمائر الشعوب. الفكرة الحرة لا تُقهر بالأسوار، والفكر العادل لا ترده قوانينٌ صُمِّمت لإخفاء الحقيقة.
أنقرة ترتجف من كلمةٍ واحدة: فدراليةٌ أو لامركزية تُعترف فيها بحقوق الشعب الكوردي. وطهران تخشى الشيء نفسه لا لأن لهب السلاح بات أقوى، بل لأن فكرة الاعتراف وحق الاختلاف قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. يخافون من انهيار الجغرافيا المصطنعة التي بنيت على الإنكار، لأن انهيارها يعني بداية ترتيبٍ طبيعي جديد تُشارك فيه جميع الشعوب، كما تتشارك السماء ضوء النهار.

التاريخ يعلمنا درساً ثابتاً: للظالمين جيوش، لكن للشعوب زمنٌ لا يخطئ، ولا ينسى. الزمن يصحِّح ما شوهته السياسات، ويعيد الحقوق إلى من يستحقها. واليوم يولد الكردي من جديد، ليس كقضية تُروى بالأسى، بل كفاعلٍ يكتب اسمه في التاريخ. لن يبقَ الخداع طويلاً دون أن يُكشف؛ لن تستمر الأقنعة الخرافية في التغطية على حقيقةٍ تراكمت عبر عقود. ومن بين الأنقاض سيظهر عهدٌ جديد عنوانه الكرامة والعدالة والكرامة الإنسانية.

وهذا ما تخشاه أنقرة وطهران معاً: أن ترى مواطناً كردياً حراً، مستقلاً في إرادته، لا رهين تحالفٍ ولا أسير صفقةٍ، لا تابعاً لمصالحٍ ضيقة. ليس لأن في يده قوةً مادية فقط، بل لأن في فكره قدرةً على الحفاظ على الكرامة وفي وعيه قدرةً على صناعة المستقبل. الفكرة التي تؤمن بها الشعوب لا تُقهر، والأفكار العظيمة لا تُدفن — بل تتجاوز كل من يحاول أن يوقفها.

أقولها بصراحة لا تحتمل الالتباس: على من اختار الإنكار أن يتحمّل تبعات اختياره — تبعات سياسية، أخلاقية وتاريخية — لا يمكن تأجيلها أو إخفاؤها تحت ذرائع القوة أو أعراف الاحتلال.

هذه الرسالة ليست تهديداً بلا هدف، بل إنذارٌ واضح مبني على يقينٍ تاريخي: من يولد حراً يولد صامداً؛ ومن يرفض الذل لا يتراجع عن مطالبه حتى تُكفل له الحقوق. ولن تنجح أي محاولات لإطفاء نور الحقيقة أو كبحِ صعود أهل الحق.