الجزيرة السورية… هوية تاريخية تتسع للجميع

الجزيرة السورية… هوية تاريخية تتسع للجميع

حسن قاسم

تثير الهوية التاريخية للجزيرة السورية نقاشات متكررة، بعضها يأخذ طابعًا سياسيًا أو قوميًّا أكثر مما يستند إلى حقائق التاريخ. ومن المهم، عند تناول هذا الموضوع، العودة إلى المصادر والروايات الموثوقة التي توضح أن الجزيرة السورية كانت عبر العصور فضاءً واسعًا لحضارات متعددة وشعوب متنوعة، لا يمكن اختزالها في هوية واحدة أو ربطها حصريًا بأي قومية بمفردها.

عمق حضاري يتجاوز التصنيفات الحديثة
في العصور القديمة كانت الجزيرة جزءًا من بلاد ما بين النهرين، وتضم إقليم أقور، وهو من المناطق التي لعبت دورًا محوريًا في نشوء الحضارات المبكرة. تشير الاكتشافات الأثرية في أوركيش وتل ليلان وشاغر بازار المعربة الى حطين وحلبيا وزلبيا وغيرها إلى تاريخ يمتد لآلاف السنين قبل الميلاد، وتؤكد أن المنطقة احتضنت حضارات الهوريين والميتانيين والآشوريين والكلدانيين، وهي شعوب تركت بصماتها العميقة قبل تشكّل الهويات السياسية الحديثة.

تنوع بشري راسخ عبر القرون
عرفت الجزيرة السورية استيطان شعوب وثقافات متعددة، من الكرد والآشوريين والسريان والكلدان، إلى جانب العرب والقبائل الرحل التي دخلت المنطقة بعد الفتح الاسلامي لاحقًا. هذا التنوع لم يكن طارئًا ولا استثناءً، بل كان عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمنطقة.
وخلال العهد العثماني، برزت شخصيات محورية من شيوخ العشائر الكردية وغيرها، مثل إبراهيم باشا الملي ومصطفى باشا الميران، ما يعكس طبيعة منطقة كانت وما تزال فضاءً للتفاعل بين مكوّناتها المختلفة.

التحولات الحديثة… امتداد وليس قطيعة
شهدت القرون الماضية هجرات واسعة للسريان والأرمن والعرب، إضافة إلى السكان الأصليين من الكرد والآشوريين. وقد أدى ذلك إلى مزيد من الاستقرار وتحوّل بعض القبائل من حياة البداوة إلى الزراعة، ونشوء بلدات ومدن جديدة. هذه التحولات لا تُنقص من عمق الهويات القديمة، بل تُظهر قدرة المنطقة على استيعاب التغيير وصياغة توازن اجتماعي متجدد.
الجزيرة السورية ليست ملكًا لقومية واحدة ولا إرثًا حكريًا على مكوّن بعينه. إنها نتيجة تفاعل طويل بين شعوب مختلفة، أسست حضارات وديانات وثقافات متراكمة على مدى آلاف السنين. لذلك، فإن أي محاولة لحصرها ضمن إطار قومي واحد تتجاهل هذا التاريخ الغني، وتنتقص من قيمة التنوع الذي كان وما يزال مصدر قوة للمنطقة.
ليس الهدف الدخول في جدل قومي، بل التأكيد على أن الإنصاف التاريخي يتطلب احترام الحقائق كما هي. العرب جزء أصيل من نسيج الجزيرة السورية، كما الكرد والآشوريون والسريان والأرمن. والاعتراف بهذا التنوع لا يضعف أي طرف، بل يثري الجميع ويمنع تسييس التاريخ أو استخدامه كأداة للإقصاء.
الجزيرة السورية كانت وستبقى مساحة مشتركة، تتسع لتاريخ شعوبها كافة، وتنهض بقوة تنوعها ووحدة أبنائها.