عام على السقوط… الذاكرة الكوردية تكتب من قلب الرماد وتنتظر ولادة نور يوم جديد
عبد الغني سليمان
مرَّ عام كامل على سقوط نظامٍ أثقل صدور السوريين لعقود، عام على انطفاء آخر رمق من منظومةٍ حكمت البلاد بالحديد والخوف، وحرمت الكورد حقَّ الوجود، اللغة، والهوية. عامٌ واحد فقط، لكنه بدا كأنّه مسافة بين زمنين: زمن الظل وزمن بدء ملامسة الضوء.
بالنسبة لنا نحن الكورد، لم يكن سقوط النظام مجرد حدث سياسي، بل كان انهيارًا لجدارٍ طويل من التهميش والإنكار. هو العام الأول الذي نكتبه من دون أن نخاف من كلمة “كوردستان”، ومن دون أن نقلّب كلماتنا سبع مرات قبل أن ننطقها، أو نخفي لغتنا في البيوت كي لا تُتهم بأنها “غريبة” على وطنٍ كنّا ولا نزال جزءه الأصيل.
جروح لا تندمل في ذاكرة لا تنسى
لقد ورثنا عن عقود البعث والأسدين ثِقَلًا يصعب على المرء أن يحمله خفيفًا: ملفات أمنية مفتوحة بلا سبب، قرى تغيرت أسماؤها الكوردية وبدلت بأسماء عربية، شبابٌ مجنّدون قسرًا في حروبٍ لم تكن حروبهم، وهوية مسلوبة من عشرات الآلاف تحت قانون “الإحصاء الاستثنائي” الذي حوّل المواطنين إلى “أجانب” في وطنهم.
كان النظام يريد لنا أن نكون “غير مرئيين”، وأن تبقى لغتنا مهمَّشة، وألا يرتفع صوتنا إلا ضمن الحدود المرسومة.
عامٌ على الحرية لكن الطريق طويل
اليوم، بعد عام على السقوط، في هذا السيناريو الذي نكتب فيه لأنفسنا ما تمنيناه يومًا، تبدو سوريا كأنها تحاول أن تعلّم نفسها من جديد معنى أن تكون دولة لكل أبنائها.
نحن الكورد لم نطالب يومًا إلا بما هو طبيعي: الاعتراف بلغتنا، هويتنا، ثقافتنا، وحقنا في إدارة مناطقنا ضمن وطنٍ ديمقراطي.
ومع ذلك، ندرك أن ما بعد السقوط ليس جنّة، بل بداية معركةٍ أخرى: معركة بناء عقد اجتماعي جديد،
معركة طيّ الذكرى دون محوها، ومعركة إقناع الجميع بأن الحقوق ليست “مكاسب” بل أساس الاستقرار.
ليس في قلوبنا رغبة بالانتقام، ولكننا نطمح إلى عدالة كما علّمنا إياها التاريخ بأن الانتقام لا يبني وطنًا، وأن العدالة وحدها قادرة على مداواة الذاكرة.
ذاكرة الذين فقدوا أبناءهم، الذين عُذّبوا في السجون، الذين هُجّروا أو صودرت أراضيهم، كلهم يستحقون أن يسمعهم الوطن، وأن تُفتح الملفات لا لتكرار الألم بل لإنهائه.
نحن الكورد نكتب هذا العام الأول بوعيٍ كامل كي لا يتكرر الماضي، وندرك أن مستقبل سوريا، أيًّا كان شكله، لا يمكن أن ينهض دون شراكة حقيقية بين كل مكوّناتها.
لن يكون لنا معنى من دون الآخرين، ولا لهم من دوننا. سوريا التي نحلم بها ليست سوريا الأقوى والأضعف، بل سوريا العقد الاجتماعي الجديد، سوريا التعدد، سوريا الذاكرة التي تتصالح مع نفسها.
عامٌ على بداية النهاية لعقود من الظلم، وعلى بدايةٍ لا تزال ملامحها تُرسم.
لكن الأكيد أننا نحن أبناء الشعب الكوردي، الذي قاوم الإنكار بالثبات، نعرف جيدًا معنى أن تبدأ من الصفر، وأن تبني وطنًا حتى لو كانت اللبنة الأولى هي مجرد كلمة حرة تخرج من حنجرة إدميت لعقود.