عام يأفل وعام قادم.. كما تجري ينابيع كوردستان في قلب الجبال
شيخ زيدو باعدري
التاريخ يعيد نفسه علينا بأسماء مختلفة ووجوه متشابهة، بينما يبقى الجوهر واحدًا: شعبٌ يُطالب بحقه في الحياة، ويُواجَه بالإنكار، والتهميش، والاضطهاد. ما زال دم الكفاح وعرق الصمود يجريان في عروقي كما تجري ينابيع كوردستان في قلب الجبال، شاهدةً على أن هذه الأرض لم تُخلَق للظلم، بل للحرية.
نحن الكورد، أكبر قومية على وجه الأرض بلا دولة، وهذه الحقيقة وحدها تشرح جانبًا كبيرًا من مأساتنا السياسية والإنسانية. فغياب الدولة لم يكن مجرد غياب جغرافيا، بل غياب حماية، وغياب قرار، وغياب عدالة. ومن بين هذا الشعب الكبير، كان نصيب الكورد الإيزديين هو الأثقل والأقسى.
نحن بقايا أربعة وسبعين فرمانًا وأنفالًا، لم تكن أحداثًا عابرة، بل سياسات ممنهجة استهدفت وجودنا وهويتنا وذاكرتنا. تفرّقنا في الشتات، ونجونا بأجسادنا، لكن أرواحنا ما زالت عالقة بين الماضي والحاضر.
وأسفاه أن أقولها بصراحة موجعة: الإنسان الإيزيدي يولد وهو محكوم، محكوم بالخوف، ومحكوم بالإنكار، ومحكوم بأن يثبت في كل مرة أنه يستحق الحياة مثل الآخرين.
هذا الحكم لم يبدأ اليوم، بل رافقنا منذ أن كنا في بطون أمهاتنا، منذ أكثر من ألف عام. كأن قدر الإيزيدي أن يُسأل عن وجوده قبل أن يُعترف بإنسانيته. ومع ذلك، بقينا… لم ننصهر، ولم نختفِ، ولم نتخلَّ عن جذورنا.
لالش النوراني لم يكن فقط مكان عبادة، بل كان ملاذًا سياسيًا وروحيًا، حافظ على توازننا في وجه محاولات الإبادة، وذكّرنا بأن النور لا يُقاس بعدد من يحملونه، بل بقدرته على الاستمرار. وكوردستان بالنسبة لنا ليست شعارًا، بل قضية حياة أو موت، لأنها وحدها الإطار الطبيعي الذي يمكن أن يحمينا من تكرار المأساة.
نحن لا نطالب بالانتقام، ولا نسعى إلى إقصاء أحد. مطلبنا سياسي وإنساني في آنٍ واحد:
كوردستان خالية من الظلم والاضطهاد، كوردستان تحكمها العدالة، ويكون فيها القانون فوق السلاح، والإنسان فوق الأيديولوجيا، والذاكرة فوق النسيان. نريد وطنًا لا يُترك فيه الإيزيدي وحده في ساعة الخطر، ولا يُساوَم فيه على وجوده.
عدالة خودان بارزان هي معيارنا الأخلاقي، الفاصل بين الظالم والمظلوم، وهي العدالة التي لا تُبرّر الجريمة، ولا تُجمّل القمع، ولا تُعيد إنتاج الفرمانات بأشكال جديدة. فالسلام الحقيقي لا يولد من الصمت، بل من الاعتراف، والمحاسبة، وضمان عدم التكرار.
وفي خضم هذا الألم، لا ننسى إنسانيتنا. نتمنى الخير لكل شعوب العالم، لكل من يعيش تحت القهر، ولكل أمة حُرِمت من تقرير مصيرها. نتمنّى عالمًا بلا جوع، بلا تهجير قسري، بلا معتقلات للهوية، وبلا شعوب تُحاسَب على تاريخها أو معتقدها.
كل سنة جديدة يجب أن تكون فرصة لمراجعة السياسات الفاشلة التي صنعت هذا الكمّ من الضحايا، وفرصة لطرح سؤال واضح على المجتمع الدولي:
إلى متى يبقى شعب كامل بلا دولة؟
وإلى متى يولد إنسان وهو محكوم لأنه إيزيدي؟
هذه كلمتي، وهذا رأيي الشخصي، أكتبه بضمير كوردي إيزيدي، يعرف الألم جيدًا، لكنه لا يزال يؤمن بأن العدالة ليست حلمًا مستحيلًا، وأن كوردستان التي نحلم بها ستقوم يومًا…
كوردستان بلا ظلم، بلا اضطهاد، وبلا فرمانات جديدة.
كل عام والإنسانية أقرب للعدل، وكل عام وكوردستان أقرب للحرية.