سيكولوجية الإنسان السوري وفهمه للفيدرالية
مموجان كورداغي
في هذه الأيام يحتفل السوريون بالذكرى الأولى لسقوط النظام الكيماوي والاستبداد، نظام عائلة الأسد وحاشيتهم الذين كانوا يحكمون سوريا بسلطة مطلقة عبر الحديد والنار وبشكل مافيوي، ونخر الفساد في جسد الدولة.
بهذه المناسبة أبارك السوريين كوردا وعربا ودروزا وعلويين على الانتصار الجزئي للثورة السورية وتحريرهم من سلطة الاستبداد والفاشية البعثية ذات المركزية المطلقة، ولأن سوريا تحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى نظام جديد يحافظ على الإنسان السوري.
ولكي تتحقق طموحات الشعب السوري وتبتهج أرواح شهداء الثورة السورية. تبقى الفيدرالية هي الحل الأمثل للسوريين جميعاً لأجل تحقيق آمالهم.
الفيدرالية كنظام حكم تُعَدُّ فكرةً معقدةً في سياق المجتمعات العربية والمسلمة المحافظة، وخاصة في سوريا هذا البلد الذي شهد تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة في ظل حكم آل الأسد الذي اعتمد على الطائفية في تثبيت أركان حكمه وأخذ مراجع ونظريات حزب البعث العربي الاشتراكي كمرجع لأركان السلطة خلال العقود الماضية.
عندما نتحدث عن الفيدرالية في سوريا، لا بد لنا من النظر إلى أبعادها النفسية والثقافية، وكيفية تأثيرها في الفرد السوري، الذي عانى من ضغوطات ما قبل الثورة والتي فشلت بتحويلها إلى حرب مدمرة شنّها نظام بشار الأسد على الشعب السوري والذي عانى الحرب والقصف والدمار طيلة أربعة عشر عاماً وانتشار الميليشيات المختلفة التي قدمت من خارج سوريا لتنفيذ الأجندات التركية والإيرانية والروسية وبعض الدول الإقليمية.
هكذا أصبحت سوريا ملعب المتصارعين، ومن خلال هذه العصابات تم الاستيلاء على قرار الثورة السورية وإفشالها وإنهاء الجيش الحر كمؤسسة عسكرية ذات عقيدة نضالية تؤمن بالتحرير وبناء دولة عصرية والقضاء على قادتها وخاصتا الذين حاولوا الحفاظ على روح الثورة السورية ومحاربة الميليشيات والفساد.
والفيدرالية كنظام مطبق في الكثير من دول العالم المتحضرة، وتعني تقسيم السلطات والثروات بين المركز والأطراف والابتعاد عن الشمولية السسلطوية، فالسوريون لهم تجربة مريرة مع النظام المركزي الشمولي ذي اللون والتوجه الواحد.
ولكي تأخذ الكيانات السياسية والجغرافية استقلاليتها الجزئية، وأن تكون مناطقها ذات أشكال الحكم الذاتي مع وجود حكومة مركزية موزّعة الصلاحيات بين المركز والفيدراليات الموجودة، وقد تكون هذه الكيانات مبنية على أسس قومية، دينية أو جغرافية. لكن في الحالة السورية، يضاف إلى ذلك السياق التاريخي والاجتماعي المعقد الذي يجعل فكرة الفيدرالية محط جدل كبير بين مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية السورية.
بعد سنوات من الصراع الدموي، أصبح الإنسان السوري يحمل في داخله مشاعر من الصدمة، والقلق، وفقدان الأمل وأصبح مشحوناً بالكراهية تجاه بعضهم البعض، وأصبحت الحالة السورية تشبه كثيراً حالة صاعدي قمة أفرست الشاهقة فكلما صعد عاليا واقترب من القمة وتحقيق الانتصار قلت ثقته بنفسه، وبمحيطه، وهذه حالة الأكثرية السنية بالتحديد. بينما يسعى السوريون الآخرون الكورد و الدروز والعلويون إلى إيجاد حلول أشكال سياسية لا مركزية تناسب حجم وجودهم الجغرافي والسياسي، وتُعيد إلى مناطقهم بعض الاستقرار الذي حرموا منه منذ خلق كيان سوريا كدولة، والتي تعرضت للتهميش أكثر في ظل حكم البعث لخمسة عقود من الزمن مثل الكورد في الشمال السوري الذين كانوا محرومين من أبسط مقومات الحياة ناهيك عن حرمانهم من حقوقهم القومية والاقتصادية ومحاربة حركتهم السياسية وزج أغلب قادتهم ومثقفيهم في السجون رغم أنه المناطق الكوردية تنتج اكثر من 60 بالمئة من دخل الدولة المتمثل بالطاقة وإنتاج أغلب المنتوجات الزراعية والثروة الحيوانية.
والدروز في الجنوب السوري الذين كانوا محرومين حتى من إظهار هويتهم وإخفاء معتقدهم في ظل حكم البعث الفاشي والذي من المفترض بأنه كان حكماً علمانياً، أما العلويين الذين يسكنون ففقدوا السلطة التي أنعموا بخيرات سوريا وأصبحوا بين عشية وضحاها الضحية ومحرومين من التعبير عن دورهم المستقبلي للبلد.
ويجد آخرون في الفيدرالية خيارًا يمكن أن يضمن لهم الأمن والاستقرار في ظل الواقع المتعدد الطوائف والعرقيات. لكن الفيدرالية قد تثير في نفس بعض السوريين مشاعر الخوف من التقسيم والتفتيت وخاصة أصحاب نظرية (الأمة العربية الواحدة وذات رسالة خالدة) أو أصحاب نظرية (كلنا أخوة) وما زالوا متمسكين، ويؤمنون بنظرية الحفاظ على وحدة البلاد العربية او الإسلامية.
إن الذين عانوا في ظل هيمنة السلطة المركزية على مدار العقود الماضية لا يرون حلاً إلا ضمن تحقيق الفيدرالية لسوريا وتقسيم الثروات والسلطات، ويرون أن فرصة لتحقيق العدالة والمساواة وتوزيع السلطة والموارد التي حرموا منها لعشرات السنوات الآن آتية، ولن يتنازلوا عن تحقيقها، مما يعزز الشعور بالكرامة والتمثيل السياسي التي مادام ناضلوا وعانوا لسنوات من أجلها.
فأصحاب مشروع الهوية الوطنية والانتماء: يرون بأنه تاريخ سوريا الطويل بوصفها دولة ذات مكونات طائفية وعرقية متعددة يجعل مسألة الهوية الوطنية أمرًا حساسًا. ويرفض البعض الفيدرالية خشية أن يؤدي تطبيقها إلى إضعاف الهوية العربية لسوريا وتهميش دور الدولة المركزية والتي يرون من خلالها تحقيق آمالهم والتي حلموا بها، ويرون أن حكم سوريا هو أحد استحقاقات عروبتهم وخاصة اليساريين والإسلاميين أصحاب فكرة نحن الأكثرية العربية السنية.
بالنهاية، الدول الكبرى والمنخرطة في المسألة السورية هي أصحاب القرار، وستقرر كيفية وشكل الحكم في سوريا المستقبل!