من سماء الإنسانية
لقمان يوسف
لست بوارد المدح الأشخاص، فهم في الأصل لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنهم يملكون من رصيد الثناء ما يكفيهم من خلال أعمالهم ونتاجاتهم المشرقة في صفحات التاريخ وبطون الكتب.
لكن الذي دفعني إلى ذكر بعض الأسماء اللامعة التي خدمت الإنسانية، وأعطت كل ذي حقٍ حقه، هو ما امتلكوه من مقدرة تدوينية أو من خلال ما طبقوه على أرض الواقع، وما تركوه من أثر إنساني جميل يسجّل لهم عبر العصور، سواء سطر على صفحات الكتب، أو كرّس حياته في النضال من خلال معتركات الحياة خدمةً للإنسان والإنسانية.
لعل الخوض في هذا المجال يصادف مصاعب جمة، ورغم ذلك لا بد من المحاولة من أجل إحقاق الحق والتذكير بالجهود التي بذلها هؤلاء، كي لا يصبح كدهم هباءً منثورًا.
بناءً على ما ذكر، كيف لا يجدر بنا أن نذكر ناظم حكمت، الذي لم يتمسك بهويته التركية مثلما تمسك بهويته الإنسانية؟
كيف لنا ألا نذكر إسماعيل بيشكجي، الذي كرّس جل حياته في خدمة القضية الكردية، وحارب بقلمه العنصريين الذين ساهموا، وما زالوا يساهمون في اضطهاد الكرد وطمس هويتهم القومية؟
نيلسون مانديلا الذي أمضى أغلب عمره في سجون العنصريين، وكذلك المهاتما غاندي، وانديرا، حيث الحديث عنهم يطول ويطول.
هل لنا أن ننسى مهدي الجواهري وقصيدته "كردستان"، التي تغنى بها من خلال جمالها وطبيعتها الخلابة، ومن خلال شعبها العريق وتصويره بأرقى الصور البيانية الجميلة، تغنى ببارزانه وتضحيات شعب كردستان على مر العصور، حتى إنه أهدى قلبه ولسانه لكردستان؟
كيف لنا أن نهمل أبي القاسم الشابي، الذي لم يكتفِ بقلمه لخدمة وقضية شعبه فقط، بل كان همُّه الإنسانية بشكل عام؟ وكيف أسس لجبهة أدبية ثورية حرضت على الكفاح والنضال من أجل الوصول إلى الأهداف السامية والقيم النبيلة؟ وقصيدته المشهورة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" دليل راسخ على إيمانه بقدرة الشعوب على الوصول إلى مبتغاها عندما يقرّر ذلك.
وأمثال لوركا، نيرودا، فيكتور هيغو وغيرهم من الشعراء العباقرة، الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل الحرية والقضاء على البؤس والشقاء.
بالطبع، هذا موجزٌ مختصر، بل عينةٌ من الشخصيات العربية والعالمية التي تبقى بصماتها لامعة في صفحات التاريخ عبر الزمن.
أما من خلال تسليط الضوء على عددٍ من الشخصيات الكردية في مختلف المجالات، سواء في المجال السياسي، الأدبي، الإنساني، أو غيرها، الذين خدموا بني جلدتهم على مرّ العصور، ولا تزال ذكراهم عطرة حتى الآن، وستبقى فخرًا للأجيال القادمة، وسيكون لهم بمثابة رصيد دائم وفعالية مستمرة طالما الحياة مستمرة. كيف لا؟ والتاريخ فتح أبوابه لهم ليخلدهم، رغم محاولات الأعداء بطمس الحقيقة وتشويه التاريخ حسب رغباتهم وبما يتوافق مع مصالحهم.
رغم رغبات ومصالح الأعداء، فإن الشمس لا تُحجب بالغربال، والحقائق ستبقى لامعة مهما جرت المحاولات على تشويهها.
لذلك، فإن كل محاولات الخبث والتعدّي من قبل هؤلاء لا يمكنها إطفاء شعلة واحدة من المشاعل التي أُوقدت من قبل شخصياتنا التاريخية، التي أنارت السبيل أمام الأجيال التي عاصرتهم، وكذلك الجيل الحالي والأجيال القادمة.
من خلال ما سبق، يجدر بنا أن نستذكر بعضًا من هذه الشخصيات التي ضحت بالغالي والنفيس، وأفنت أعمارها في خدمة ومصلحة شعبها، دون أن تغريهم ملذات الدنيا والمصالح الشخصية الضيقة، والأنانيات التي ما زال البعض يعمل من أجلها، والأمثلة كثيرة، وللأسف، لا مجال لذكرها جميعًا.
من هؤلاء الشخصيات، على سبيل الذكر لا الحصر، الخالد وفخر الأمة الكردية، البارزاني مصطفى، الذي كرّس جل حياته في خدمة القضية المقدسة، وهي قضية شعبه المظلوم عبر العصور.
البارزاني الذي أسس للكرد ما لم يستطع أحد تأسيسه من قبله، من خلال الثورة التي أعلنها، وفي وقتٍ قياسي، استطاع من خلالها إيصال صوت الشعب الكردي إلى أصقاع العالم، وجذب تعاطف وتأييد محبي الحرية وكرامة الإنسان في كل مكان.
هذه الثورة التي تجاوزت الحدود البينية المصطنعة من قبل الأعداء، واستطاعت أن تعيد الأمل والتفاؤل إلى القلوب التي يئست نتيجة فشل الثورات والانتفاضات التي سبقتها.
ثورة ما زالت تحقق إنجازات تلو الأخرى، وأصبحت مفخرة لكل كردي. ثورة استلم رايتها شبل من ذاك الأسد، وخير خلفٍ من خير سلف.
والحديث عن أعلام الكرد عبر التاريخ وحتى الوقت الحاضر يطول كثيرًا، ولعلي أجد أن الأقلام ستجف مدادها إن لم تكن مياه البحار، لذلك، الاكتفاء باستذكار البعض منهم هو السبيل الوحيد، وترك البقية في ذمة التاريخ الذي لا يهمل حقًا من حقوقهم.
رغم صعوبة استذكار الجميع في صفحة أو عدة صفحات، إلا أنه بالإمكان استذكار شخصيات متعددة من سلسلة لا تنتهي، ربما يصل من خلالها شعاع نورهم إلى آخرين، ومن هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر: الشيخ سعيد البيراني، سيد رضا، قاضي محمد، أوصمان صبري، جكرخوين، أحمد نامي، شيركو بيكه س، محمود الحفيد، الشيخ عبدالسلام البارزاني، دلدار، جلادت بدرخان، يلماز غوناي، مستورا أردلان، روشن بدرخان، أحمد كايا، بابا طاهر، أحمدي خاني، ليلى زانا، ليلى قاسم، كلستان برور، ملاي جزيري، فقيه طيران، محمد شيخو، يوسف برازي، وغيرهم الكثير.
ومثل هؤلاء الذين رحلوا عن الحياة، لهم حق علينا في أن نتذكرهم، بل ونجعلهم قدوة، وكذلك للأمثال الذين يسيرون على دربهم، فهم يستحقون التقدير، ونحني لهم احترامًا على كدّهم وخدمتهم لقضية شعبهم والإنسانية جميعًا.