سوريا.. سقط نظام الاستبداد, وماذا بعد؟

سوريا.. سقط نظام الاستبداد, وماذا بعد؟

شــريف علي

بعد عام على سقوط النظام الاستبدادي، تبدو سوريا وكأنها خرجت من قبضة الحديد، لكنها لم تدخل بعد فضاء الحرية الكاملة.
السلطة الجديدة / الانتقالية بمزيجها الهجين من المعارضة التقليدية والمعارضة الإسلامية الراديكالية لا تزال تتلمّس طريقها بين إرث ثقيل وتوقعات شعب أنهكته الحرب. وفي لحظة كهذه، يصبح على السلطة الانتقالية أن تدرك أن الشرعية لا تُمنح تلقائياً، بل تُكتسب عبر احترام المطالب المشروعة لكل مكوّن من مكوّنات الشعب السوري، لا عبر إعادة إنتاج مركزية جديدة بوجه مختلف.
المشهد السياسي والأمني يفرض على السلطة مسؤولية واضحة: إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، لا على أنقاض الماضي فقط. إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية ليست خياراً تقنياً، بل شرطاً لعدم عودة الاستبداد. المطلوب مؤسسات مهنية لا تتدخل في السياسة، وقادرة على حماية المجتمع لا إخضاعه. كما أن الاقتصاد المنهك لن ينهض بالدعم الدولي وحده، بل بإصلاحات حقيقية تُنهي الفساد وتعيد توزيع الموارد بعدالة. أما ملف اللاجئين والعدالة الانتقالية، فهما اختبار مباشر لصدقية السلطة: هل ستواجه الحقيقة أم ستدفنها تحت شعارات الاستقرار؟
في قلب هذا المشهد، يقف الكورد أمام لحظة سياسية لا يجوز التفريط بها. فبعد عقود من التهميش والإنكار، لم يعد مقبولاً التعامل مع حقوقهم كملف ثانوي أو ورقة تفاوض. الكورد ليسوا أقلية تبحث عن حماية، بل شريك أصيل في هذا البلد، دفع ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، وتحمُل تداعيات غياب الدولة، ومن هنا، فإن على السلطة الانتقالية أن تعترف صراحة بحقوق الشعب الكوردي، دستورياً وسياسياً، وأن تتعامل مع اللامركزية السياسية كضرورة لبناء دولة عادلة، لا كتهديد لوحدة البلاد.
لكن على القوى الكوردية ألا تتغافل على المسؤولية التي تقع على عاتقها أيضا. فالوحدة الكوردية لم تعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً لفرض الحضور في صياغة مستقبل سوريا. الانقسام بين المجلس الوطني الكوردي وإدارة الاتحاد الديمقراطي أضعف الموقف لسنوات، ولا يمكن السماح باستمراره في لحظة تُعاد فيها كتابة قواعد اللعبة. المطلوب خطاب موحد، ورؤية مشتركة، واعتماد مخرجات كونفرانس 26 نيسان 2025، والاستعداد لمشروع وطني يساهم في بناء سوريا جديدة. سوريا لا مركزية، ديمقراطية، قائمة على الشراكة والاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء أو الهيمنة.
سوريا اليوم أمام مفترق طرق. والسلطة الانتقالية لن تُحاسَب على وعودها، بل على قدرتها على فهم أن الشعب - بكل مكوّناته - لم يعد يقبل أن يُدار من فوق. والكورد، إذا أحسنوا قراءة اللحظة، قادرون على أن يكونوا قوة مؤسسة في الدولة المقبلة، لا مجرد طرف فيها. إنها لحظة اختبار للجميع: إما دولة جديدة تُبنى على العدالة والشراكة، أو إعادة تدوير للاستبداد بوجوه جديدة. والقرار، هذه المرة، لن يُكتب في غرف مغلقة، بل في وعي شعب يعرف تماماً ما يريد.