ولادةٌ جديدة

ولادةٌ جديدة

شاهين باجو

لا أبحث عن القبول في عيون الآخرين صرت أكتفي، واكتفائي ليس بروداً، بل نتيجة نضجٍ مؤلمٍ عشت كلّ درجة من سُلِّمِه. سامحتُ من لم يعتذر، وعبّرت دون أن أُشرح، وصافحتُ دون أن أُفسّر، لأني في تلك المرحلة التي لا تُقاس بالأعوام، بل بالألم الذي تجاوزته، بالأفكار التي نزعتها من جذورها.. بالسجون النفسية التي كسرت أقفالها دون أن أحُدث ضجيجاً. هذه هي المرحلة الملكية الحقيقية، ليست تلك التي تلوكها كتب التنمية الذاتية كمصطلح لامع بل التي تصلها حين تكون قادراً على العيش دون مرآة، دون تصفيق، دون حاجة دائمة إلى دليل خارجي يؤكد أنك بخير.

لم تكن أزمتي يوماً مع الشعور ذاته، بل مع ما فُرض عليّ أن أشعر به، مع التصنيفات التي وُلدنا بداخلها كأنها أقفاص، مع تلك النظرة القاصرة التي يُلقيها عليك المجتمع حين تُخطئ المرة الأولى، أو حين تُعبّر عن وجعٍ لا يملك اسمه في القاموس العام، مع النظرات التي تترصّدك إذا قلت "تعبت"، كأنك خنت شيئاً مقدّساً، كأن القوة يجب أن تكون رداءك الأبدي، وإن ثقل.
تعلّمتُ أن الصمت منجاة، وأن البوح ضعف، وأن الحديث عن الألم فضيحة، حتى صرتُ اكذب على نفسي واقول "أنا بخير"
أنا أنهار بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد، وقفتُ مع المجتمع ضد نفسي، وصدقتُ أنّني يجب أن أكون دائماً في وضعية الاستعداد، حيث لا مجال للخلل، ولا وقت للكسور، ولا مساحة لأن أكون بشراً.
كنتُ أظنّ أن عليّ أن أبدو دائماً متماسكاً، ألا أظهر حيرتي، ألا أفكر بصوتٍ عالٍ، ألا أطلب تفسيراً، ألا أتلعثم أمام من أحب، كنت أرتّب انفعالاتي كأنني في حضرة محكمة، وكل زلّة شعورية تُحسب ضدي، لا معي، حتى اكتشفت بعد صراع طويل أن أغلب ما عشته لم يكن صراعاً مع الواقع، بل مع الصورة التي أرغمني مجتمعي أن أكونها. المجتمع لا يُريدك أن تكون صادقاً، بل أن تكون مناسباً، لا يُريدك أن تشرح، بل أن تُطيع، لا يُريد أن يرى حقيقتك، بل نسخته المثالية منك، التي رسمها دون أن يسألك عن ملامحك.
نحن نبحث عن ملجأ من اليأس، ولم يسألنا أحد.. هل هذا أنت؟ هل يناسبك هذا الدور؟ هل ترغب أصلًا أن تكون في هذا المشهد؟ المجتمع بارعٌ في نسج الأقنعة، يحترف تكميم الأرواح، ويضعك في قالب لا يُقاس على مقاسك ثم يلومك إن ضاقت أنفاسك. وأخطر ما في الأمر أن البعض ينسى أنه تقمّص، ينسى وجهه الحقيقي خلف الأقنعة الطويلة، ويُقنع نفسه أنّه بخير، وهو لا يشعر إلا حين يختلي بنفسه، حين ينهار دون شهود، حين يخلع كل شيء ويواجه ذاته كما هي، دون تنميق ولا تبرير. وهناك، فقط هناك، تبدأ الرحلة الحقيقية نحو التحرّر. التحرّر من دور البطولة في مسرحية لم تكتب نصّها، التحرّر من الأصوات التي تهمس لك أنّك لا تكفي، من القوانين الاجتماعية التي تُصنّف الرجولة بالصمت والأنوثة بالسكوت، والنُبل بالموت البطيء.
عليك أن تكون كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون.
عليك أن تُخالف السائد إذا كان يُخنقك، أن تختار صمتك لا لأنك عاجز
بل لأنك قررت ألا تشرح أكثر. لا تبحث عن القبول في عيون الآخرين، بل ابحث عن نفسك في مرآة لا تُخدع. واعلم أنّ جزءاً كبيراً من سعادتك مرهون بمدى جرأتك في قول: (لا)
لا لما لا يُشبهك، لا لما لا يؤمن بك.
لا لما يريد أن يُعدّلك لتصبح صالحاً للاستهلاك الجماعي.
وحتى أولئك الذين يُطلقون عليك صفاتٍ بائسة حين لا تُسايرهم لا يفعلون ذلك إلا لأنك كسرت الاتفاق الضمني بينكم بأن تُمثّل. وحين تتوقّف عن التمثيل تُصبح خطراً. نعم، الحقيقة مزعجة، ولكنها تحرّر، والحياة قصيرة حدّ السخرية لنقضيها أسرى تصنيفات قديمة، وقوالب مهترئة، ووصايا لم نكتبها. هذا الإدراك ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية، لأنك إن لم تفهم نفسك أولاً، ستقضي عمرك تفهم الآخرين وتنسى أن تعيش. اختر ذاتك، وإن كلفك ذلك أن تُعيد تعريفك من جديد، وإن اضطررت إلى الخروج من مجتمعاتك الصغيرة لتُعيد بناء عالم يناسبك، لأن السجن النفسي لا يُرى، لكنه يُخنق، لأن أكثر الذين يضحكون على الملأ، يبكون في صمت، وأكثر الذين يثرثرون أمامك.. لم يقولوا لأنفسهم كلمةً واحدةً بصدق. لذا لاتكن أحدهم.
اليوم.. أطفئ شمعة جديدة، لا كاحتفالٍ عابر، بل كشاهدٍ آخر على رحلتي.
كل عامٍ مضى لم يكن مجرد رقم يُضاف إلى عمري، بل كان درباً مليئاً بالمنعطفات، ترك في داخلي ندوباً ونجوماً في آنٍ واحد.

هذا العام الذي مضى، علّمني أن القوة ليست في الصمود وحده، بل في أن أسقط وأنهض، أن أسمح لقلبي أن يبكي ثم أعود وأمسح دموعي بيدي.
واليوم، وأنا أقف على عتبة عامٍ جديد، لا أبحث عن الوعود الكبيرة، ولا عن انتصارات تُصفّق لها الجموع، كل ما أريده أن أكون أقرب لنفسي، أن أكون صادقاً معها أكثر من أي وقت مضى.