«التفلسف» على جراح الكرد: سلام بلا حقوق، وقومية مغيَّبة
صلاح عمر
قرأ ويسي أكتاش يوم 5 كانون الأول عام 2025 رسالة عبد الله أوجلان في مؤتمر الدولي “السلام والمجتمع الديمقراطي” المنعقد في إسطنبول، الذي نظمه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. تحت عنوان بالغ الخفة على جراح أمة مثقلة بالدم:
“لنستعد الاشتراكية من خلال بناء السلام والمجتمع الديمقراطي”.
عنوانٌ يبدو في ظاهره دعوة إنسانية سامية، لكنه في عمقه يفتح بابا واسعا للأسئلة الثقيلة: أيّ سلام هذا الذي يُطرَح بلا اعتراف صريح بحقوق شعبٍ مقسّم؟ وأيّ اشتراكية تُستعاد فيما حق تقرير المصير للكرد غائب، مؤجَّل، أو مغيَّب عمدا؟ من هنا، لا تبدأ القراءة كنصٍ فلسفي، بل كمواجهة سياسية مع أخطر ما في الرسالة: ما لم يُقَل فيها.
ليست كل دعوة إلى السلام بريئة، ولا كل خطابٍ مغمور بالفلسفة يحمل بالضرورة خلاص المقهورين. أحيانا، يكون السلام هو الاسم الجديد للهزيمة المؤجَّلة، وتكون الفلسفة هي الغلالة الناعمة التي تُغطّي عُري التنازلات الكبرى. وهذا تماما ما تفعله رسالة عبد الله أوجلان الأخيرة إلى مؤتمر “السلام والمجتمع الديمقراطي”: خطاب كثيف بالمصطلحات، فقير بالحقوق، واسع في التنظير، ضيّق حدّ الصمت حين يصل الحديث إلى جوهر القضية… القضية الكردية بوصفها قضية شعب وأرض وحق تقرير مصير.
من السطور الأولى، يحملك الخطاب إلى فضاء أممي واسع: الاشتراكية، الإنسانية، البيئة، المرأة، التاريخ، الكومونة، الفلسفة، الديالكتيك… كل شيء حاضر، إلا الكرد كأمةٍ صاحبة حق سياسي واضح. الكرد هنا لا يظهرون كشعبٍ مُغتصَب الوطن، بل كـ”حالة اجتماعية” في أزمة حضارية عامة. وكأن مشكلتنا ليست أننا شعب قُسم وطنه بسكين سايكس–بيكو، بل أننا لم نفهم المادية التاريخية كما يجب!
أوجلان يتحدث عن انهيار الدولة القومية، لكنه لا يتحدث عن الدولة التي حرمت الكرد لغتهم واسمهم ووجودهم. ينتقد احتكار العنف، لكنه يتجاهل أن هذا العنف كان يُمارس على جسد الكردي يوميا: في السجون، في القرى المحروقة، في المقابر الجماعية، في المنفى الطويل. يتحدث عن “المجتمع الديمقراطي”، لكنه لا يطرح أي ضمانة سياسية ملموسة تجعل هذا المجتمع أكثر من حلمٍ جميل يصلح للندوات لا للدساتير.
أين هو حق تقرير المصير؟ أين هو الاعتراف بالكرد كشعب له الحق في أن يقرّر شكله السياسي على أرضه التاريخية؟ أين هي الفيدرالية؟ أين هو الحكم الذاتي؟ أين هي السيادة ولو بالحد الأدنى؟ لا شيء… صمتٌ مريب، فراغٌ سياسي مغطّى بضجيج فلسفي.
هنا تكمن المأساة: أن يتحوّل القائد الذي خرج من رحم المأساة القومية، إلى مُنظّرٍ كوني يتعامل مع الظلم الكردي بوصفه “تفصيلاً ضمن أزمة الحضارة”، لا جريمة تاريخية مستمرة. أن يُطلب من الكرد أن يتخففوا من “حلم الدولة” قبل أن يحصلوا حتى على اعتراف رسمي بلغتهم ووجودهم. أن يُدعوا إلى السلام، دون أن يُقال لهم بوضوح: ماذا ستأخذون مقابل هذا السلام؟
أوجلان لا يطالب اليوم بدولة كردية، ولا بفيدرالية، ولا حتى بحكم ذاتي دستوري صريح. هو يطالب بـ”دمقرطة الدولة” التي ما زالت حتى هذه اللحظة ترى في الكرد خطراً أمنياً لا شريكاً سياسياً. يطالب بإصلاح القانون داخل دولة لم تعترف أصلًا بأن الكرد شعبٌ مُؤسِّس لا ضيف طارئ. يطرح “الأمة الديمقراطية” بوصفها بديلاً عن الأمة القومية، وكأن الخلل لم يكن في إنكار الدولة القومية للكرد، بل في فكرة الأمة نفسها!
وهنا السؤال الذي لا مفر منه: هل يتحدث أوجلان اليوم كمناضل قومي يريد تحرير شعبه، أم كفيلسوف يريد تفكيك العالم حتى لو تفكك معه حق شعبه؟
السلام الذي لا يقوم على اعترافٍ صريح بالكرد كشعب صاحب أرض وحق وسيادة، ليس سلاماً… بل استراحة محارب قبل جولة إقصاء جديدة. والسياسة التي لا تسمي الحقوق بأسمائها، ليست سياسة… بل هروب لغوي من مواجهة الحقيقة.
نحن لا نعيش أزمة مفاهيم، نحن نعيش مأساة شعب. لا نحتاج إلى إعادة تعريف الاشتراكية، بل إلى إعادة الحق لأصحابه. لا نحتاج إلى تفكيك الدولة نظرياً، بل إلى تفكيك الظلم عملياً.
الكرد لم يضحّوا بعشرات آلاف الشهداء ليصبحوا “حالة اجتماعية” في كتب الفلسفة السياسية. ضحّوا ليكونوا شعباً حراً، معترفاً به، سيداً على قراره.
إن أخطر ما في خطاب أوجلان اليوم، ليس ما يقوله… بل ما يتعمّد ألّا يقوله. وأخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة، أن تُختَزَل في لغةٍ جميلة، وتُفرَّغ من مضمونهـا السياسي الصارم.
أيها الكرد، لا تنخدعوا بلغة جميلة ومصطلحات رنانة. لا تبيعوا الحق باسم السلام، ولا تفقدوا حقكم في تقرير مصيركم باسم الإنسانية. كل فلسفة، كل حوار، وكل مشروع اشتراكي يبتعد عن الأرض التي تحمل أسماء أجدادكم، هو مشروع خيانة. الحق وحده، والفعل السياسي الواضح، هو الذي يحمي الكرد من أن يظلوا مجرد “حالة اجتماعية” في كتب الآخرين، لا شعبا يكتب تاريخه بيديه. لا تفاوض ولا سلام بلا حقوق واضحة، ولا مستقبل لشعب يقف متفرجا على ضياع إرثه.
أيها الكرد، لا تنخدعوا بلغة جميلة ومصطلحات رنانة، ولا تكتفوا بالوعود النظرية باسم الاشتراكية أو المجتمع الديمقراطي. لا تبيعوا الحق باسم السلام، ولا تفقدوا حقكم في تقرير مصيركم باسم الإنسانية. ما نراه اليوم ليس مجرد خطاب فلسفي أو دعوة أيديولوجية، بل محاولة لإخفاء الفراغ السياسي خلف غلالة الكلام الكبير. كل فلسفة لم تُقترن بخطوة عملية نحو تقرير المصير، وكل تحليل اجتماعي لم يُترجم إلى مطلب سياسي ملموس، هو جسر يُوضع فوق جراح شعب لم تلتئم بعد.
الشعب الكردي لا يحتاج إلى محاضرات في الديالكتيك، ولا إلى أحلام دستورية عامة، بل يحتاج إلى الحق الممنوح له منذ أن قُسِم وطنه بين أربع دول، إلى الاعتراف بوجوده القومي، إلى الأرض والقرار والسيادة. أن يُطلب من أمة أن تصمت عن تاريخها، أن تتخلى عن حقوقها باسم “المجتمع الديمقراطي”، هو أعمق خيانة يمكن أن تُرتكب ضدها.
لقد آن الأوان لأن تُسمّى الأشياء بمسمياتها: السلام بلا حقوق ليس سلاماً، الاشتراكية بلا قضية الشعب ليست عدالة، والمجتمع الديمقراطي بلا الاعتراف بالقومية هو مجرد وهم كبير. الحق وحده، والفعل السياسي الواضح، هو الذي يحمي الكرد من أن يظلوا مجرد “حالة اجتماعية” في كتب الآخرين، لا شعبًا يكتب تاريخه بيديه. لا تفاوض ولا سلام بلا حقوق واضحة، ولا مستقبل لشعب يقف متفرجًا على ضياع إرثه. إلى أن يُطرح سؤال تقرير المصير، ويُعطى الجواب، كل خطاب عن الاشتراكية والمجتمع الديمقراطي، مهما بدا سامياً، يبقى مجرد زخرفة على جرح عميق لا يُغلق إلا بالحق والسيادة والاعتراف.